عائدات الضرائب تكبل يدي السلطة


الاقتصاد الفلسطيني بات رهينة للراتب الحكومي، الأسواق يصيبها الكساد والعجلة تبدأ بالتباطؤ إذا ما تأخر صرف الراتب، السلطة باختصار باتت مكبلة بعائدات الضرائب التي تملك اسرائيل وحدها "الحنافية" لإغلاقها أو فتحها.
طباعة الصفحة


رام الله- الاقتصادي-حسناء الرنتيسي- راتب .. كلمة من أربعة حروف لها مفعول خرافي في السوق الفلسطينية، فهي اما تقود الانتعاش الاقتصادي "لبضعة أيام" أو تؤدي إلى الكساد والدين والوجه البائس. ذلك المصطلح بات فردا من أفراد العائلة والسوق الفلسطينية لتكرار انتكاسه وأزماته التي أصابت الاقتصاد الفلسطيني وانهكته.

المشكلة لا تنتهي بصرف رواتب الموظفين، إنما هي مشكلة باتت معلما فلسطينينا متأصلا في ظل الوضع السياسي الذي يعيشه الفلسطينيون، فالتعايش مع تأخر الراتب بات مطلبا في ظل تأخر هذه الرواتب بأي نشاط او تحرك فلسطيني ضد الاحتلال، ومن هنا تظهر خطورة الأزمة، حين تهدد اسرائيل والمجتمع الدولي الجانب الفلسطيني في لقمة عيشه، فتضيق الخناق عليه، وتجعله يعيش في دوامة "في راتب هذا الشهر ولا ما في".. "راتب كامل ام نسبة منه".. الخ.

ماذا يعني تأخر الراتب؟

سؤال طرحناه على عدد من المواطنين والتجار في مدينة رام الله، التاجر ابو ايمن في محل ملابس ستاتي على أطراف المدينة يقول "تنظر للسوق فيغرّك المشهد، تعتقد ان الكل بدو يشتري، بتحكي بعقلك التجار ماكلين البلد، مش ملحقين شغل، والحقيقة انه الكل بتفرج وبقيس وبجرب وبغلب العمال وبالآخر ما بشتري.. ما في رواتب".
 
ويؤكد ذلك جاره الذي يقول إنه بنزول الرواتب تتحرك السوق أول ثلاثة أيام إلى اسبوع كحد اقصى، ثم يعم الكساد السوق، نعمل بضعة أيام بشكل جيد ثم نعاود الالتصاق بكراسينا بانتظار الشهر الجديد، فما بالك حين تتأخر الرواتب او تنقطع؟!
بائع خضار متجول في منطقة غرب رام الله يقول "الناس بتفكر عندي حقل خضار، الكل بشتري دين والله انكسرت وما معي حق النقلة الثانية، وصرت مديون لحسبة الخضار بالآلاف، لانه معظم الزبائن موظفين، واذا أخذوا الراتب بكون آخر واحد على قائمة السداد..".
المواطن م. سليم يقول "تأخر الراتب يعني انه اصير افوت على بيتي بالسرقة، خجلا من جارنا صاحب الدكان الذي وصلت ديونه علي لأكثر من نصف الراتب المنتظر".

موظفة في وزارة برام الله تقول "تأخر الراتب يعني ما أنام لحتى ينزل الراتب من ألم أسناني، الصف الأمامي من اسناني يحتاج لتكملة الحشو والعلاج، ذهبت اول مرة للدكتور واعطاني علاج للالتهاب وطلب مني الحضور لحشو أسناني بعد ذهاب الالتهاب، وبسبب تأخر الراتب سأفقد أسناني فلا يمكنني اجبار الطبيب على تسجيل العلاج على الدفتر لحين نزول الراتب..".
ابو علي، موظف حكومي يعمل مراسلا في احدى الوزارات يقول "ما ضل بالثلاجة الا باقي الخبز من منخفض هدى، الله يرحمنا بس".

الطالبة الجامعية نهيل تقول "كنت اتمنى العمل في الاطار الحكومي عند تخرجي، لكن بعد معاناة والدي مع الراتب والأزمة النفسية التي تحدث في البيت بسبب طلباتنا وعدم قدرة والدي على تنفيذها بسبب تأخر الراتب تراجعت عن الفكرة، واتمنى أن أكون صاحبة مشروعي الخاص في المستقبل..".

كم من الوقت يمكن أن يصمد الموظف دون راتب؟

سؤال قوبل بالابتسامة الصفراء من بعض الموظفين، كم من الوقت يمكن أن تصمد دون راتب؟، والاجابة كانت كالتالي:
التاجر أبو أيمن "اعتدنا على تأخر الرواتب، البضاعة ستبقى على الرفوف لحين الفرج، والمشكلة أن البضاعة موسمية، وكثير من الموديلات الحديثة والبضاعة الجديدة تباع بأسعار لا تغطي تكاليف استيرادها بسبب الكساد في السوق، "هناك الكثير من التجار مغطيين بقشة كما يقال".
بائع الخضار يقول "لو وجدت فرصة عمل أخرى سأترك عملي اليوم قبل الغد، لكن إذا تركت العمل ستذهب ديوني ولن أستطيع جمعها أو حتى جمع جزء منها، مضطر للاستمرار حتى يتم طردي من سوق الحسبة بسبب ديوني على التجار، وأتمنى ألا يطول تأخر الرواتب".

الموطن م. سليم "اذا كنت مديونا بالأساس للدكان فقط بأكثر من نصف الراتب، فكيف سأصمد أكثر من ذلك، معظم الموظفين أمثالي مديونون إما للبنوك (أقساط شقة او سيارة او قرض تعليمي لابنائهم) أو للدكاكين وغيره، فمدة الصمود تعتمد على قدرة التحمل لدى هؤلاء وليس لدينا".
الموظفة في وزارة حكومية تقول "لو كان عندي رصيد في البنك كان من الممكن أن يكون لدي فترة صمود، لكن للأسف الرواتب اصلا لا تغطي احتياجاتنا، وكثير من الأمور يتم تأجيلها للشهر القادم، غلاء المعيشة يزيد والرواتب كما هي... انا أعرف موظفين منهم موظفون عسكريون لا يملكون المواصلات للذهاب لعملهم، في هذه الحالة هل يمكن الحديث عن فترة صمود؟! ".

المشكلة ليست في اسرائيل وحدها

المحلل الاقتصادي د. نافذ أبو بكر يرى أن أزمة الرواتب قديمة جديدة، فالجانب الاسرائيلي والجهات المانحة تستخدم أموال المقاصة والمساعدات كوسيلة ابتزاز للشعب الفلسطيني.
ويرى د. ابو بكر أنه من المسلمات أن السلطة الوطنية التي أنشأت بقرار دولي أن يسمح الجانب الدولي والاتحاد الاوروبي وامريكا بانهيارها، لأن البديل للسلطة هو الفوضى التي هؤلاء جميعا بالغنى عنها.
وفي المقابل يؤكد أبو بكر أن الخوف من انهيار السلطة لا يعني أن اسرائيل والدول المانحة لن تسمح بابتزاز الشعب الفلسطيني، فهم يمسكون الشعب الفلسطيني باليد التي تؤلمه.

ويلقي د. أبو بكر باللوم الكبير على الجانب الفلسطيني الرسمي والشعبي، فالجانب الرسمي لم يضع استراتيجية واضحة منذ البداية للتعامل مع هكذا حالة رغم تكرارها، إضافة إلى أنه يمكن التعويل على شبكة الأمان العربية والاتحاد الاوروبي، لكن لم يتم بذل الجهود الكافية في هذا المجال.
وفي الجانب الشعبي، ردة الفعل الشعبية يائسة جدا، فالاحتجاج يجب أن يصل العالم كله، ويجب أن يكون هناك ردة فعل جماهيرية قوية، "للأسف نحن نتعامل مع الموضوع كردات فعل فاترة وعشوائية، رغم أن الموضوع مصيري وخطير، فنحو80% من ايرادات السلطة من أموال المقاصة والمساعدات الدولية، وبالتالي يستحق الموضوع العلاج بشكل أفضل وبردات فعل مدروسة وقوية وضمن استراتيجية واضحة.

 يأتي ذلك في الوقت الذي يترقب فيه الموظفون المساعدات التي تصل السلطة من الدول المانحة ومن الدول العربية، فهم يرون فيها مفتاح الفراج، رغم أن الامور ليست بهذا الوضوح.

يشار الى أن بوادر القضية ظهرت حين قررت 'اسرائيل' مؤخراً في ردها على توقيع الرئيس محمود عباس على ميثاق روما تجميد أموال الضرائب 'المقاصة' كعقوبة على الانضمام للجنائية الدولة، فيما اعتبرت السلطة الفلسطينية القرار بمثابة "جريمة حرب". 

فيما أعلن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن الخطوة الفلسطينية بطلب الانضمام إلى المحكمة الجنائية الدولية ستكون لها تبعات مالية؛ ما ضاعف القلق لدى الموظفين الفلسطينيين. 


  • شروط الاستخدام
  • تصميم و تطوير
  • إن المواد المنشورة في الموقع ممنوع بثها أو إعادة توزيعها بأي شكل من الأشكال تحت طائلة المساءلة القانونية.
    This material may not be published, broadcasted, rewritten or redistributed. © 2019 aliqtisadi.ps All Rights Reserved