في غياب المركزية والعملة : البنوك تواصل الهيمنة


لا يوجد امكانية لتحديد أسعار الفائدة في فلسطين في ظل غياب بنك مركزي يصدر عملة وطنية، وفي ظل ذلك تواصل البنوك هيمنتها في هذا المجال وتقر أسعار فائدة وفق رغبتها.
طباعة الصفحة


رام الله- الاقتصادي- حسناء الرنتيسي-  يبلغ حجم الأرصدة في البنوك العاملة في فلسطين ما يزيد على 8 مليارات دولار، هذا المبلغ يعدّ قوة مؤثرة في السياسة النقدية التي تدرس رفع اوتخفيض سعر الفائدة لدى البنوك التجارية بناء على قاعدة العرض والطلب، وهذا بدوره يؤثر على حركة الاقتصاد  خاصة الاستثمار فالقاعدة الاقتصادية تقول ان رفع سعر الفائدة يقلل من الاستثمار والعكس صحيح، لأن العائد المادي للمشاريع الاقتصادية يكون اكبر من سعر الفائدة التى تعطيها البنوك مقابل الودائع المالية.

وفي ظل الوضع الاقتصادي المتردي الذي يعاني منه الاقتصاد الفلسطيني من بطالة وتضخم ومديونية وعجز في الميزان التجاري، فإن هذا المبلغ يشكل حتما قوة اقتصادية اذا ما تم تحريكه في السوق، ولا يتم ذلك الا اذا تم خفض سعر الفائدة لخلق المزيد من الاستثمارات.

ويشير د. محمد بدر- رئيس قسم العلوم المالية والمصرفية في جامعة القدس الى أن أسعار الفائدة تحدد عادة بناء على قوى العرض والطلب، حيث تتأثر أسعار الفائدة بحجم ارتفاعها وانخفاضها داخل أسواق المال المختلفة، فالسوق المالي الذي تتسم أسعار فائدته بالارتفاع تجذب إليها رؤوس الأموال بحثاً عن ربحية أعلى فيزداد المعروض من هذه الأموال، وهذا بدوره يقود إلى تخفيض السعر أي سعر الفائدة مستجيباً لقوى العرض والطلب، في الوقت ذاته تطرد الأسواق ذات الفائدة المنخفضة رؤوس الأموال ما يترتب عليه تناقصا في المعروض منها وهذا عامل في ارتفاع سعر الفائدة.
ويضيف د. بدر "بالنسبة لأسعار الفوائد على العملة الرئيسية في العالم وهي الدولار فإن الفيدرالي الأمريكي يسعى بشكل مستمر لتطبيق سياسات نقدية متنوعة في جهد منسق لمجابهة الانكماش والتضخم التي قد تنتجها التغيرات في الاقتصاد المحلي والعالمي، حيث يعقد مجلس إدارة الفيدرالي الأمريكي 8  اجتماعات خلال العام يعلن من خلالها عن أية تغيرات في أسعار الفائدة، وبالتالي فإن مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي والذي يتكون من 12 عضوا هو من يسيطر علي أسعار الفائدة بتغيير الفوائد التي يتقاضاها من البنوك مقابل إقراضها المال" .
غياب العملة الوطنية يمنع تحديد سعر الفائدة.
يقول د. بدر إن دور سلطة النقد في فلسطين يختلف عن دور البنوك في العالم، حيث تفتقر فلسطين لوجود عملة وطنية، ما يحول دون قدرتها عل التحكم  بأسعار الفائدة على التسهيﻼت.

وهذا ما اكدته سلطة النقد بقولها "يتم تحديد أسعار الفائدة على الودائع والقروض وفقاً لسياسة المصرف الداخلية والمنافسة السوقية بين المصارف، ولا يمكن لسلطة النقد تحديدها بسبب غياب العملة الوطنية، وبالتالي غياب السياسة النقدية، حيث إن البنوك المركزية المصدرة للعملات هي التي تتحكم بسعر الفائدة، مثال ذلك: يتحكم البنك المركزي الإسرائيلي بأسعار الفائدة على عملة الشيقل وكذلك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي على عملة الدولار والبنك المركزي الأردني على عملة الدينار".
اختلاف في الفوائد بين عملة وأخرى.

المواطن حسام حصل على قرض قبل سنتين من بنك في رام الله، الا انه يعبر عن ندمه الشديد لهذه الخطوة، يقول "القرض طلع عليّ الضعف، ومع قصة التأخر في دفع الرواتب، ما كان عندي امكانية ادفع الاقساط في وقتها، لذلك كان كمان ييجيني غرامة زيادة، وكان في زيادة دولارات كل شهر".
دراسة اعدتها بكدار عام 2008 كانت قد كشفت عن فرق واضح بين متوسط أسعار الفائدة المفروضة على الودائع والقروض بين الشيقل والدينار والدولار، إذ يبلغ متوسط أسعار الفائدة على القروض بالشيقل في فلسطين ثﻼثة أضعاف ما هي عليه في إسرائيل، حسب الدراسة.

وقد بلغ  متوسط الفائدة على القروض  بهذه العملة  في اﻷراضي الفلسطينية 78ر12% في العام 2007، مقابل 05ر4% فقط في إسرائيل.
أما متوسط سعر الفائدة على الودائع بالشيقل، فقد بلغت 2ر2% في اﻷراضي الفلسطينية، في حين يرتفع في إسرائيل 93ر3% .
وبالنسبة للدينار اﻷردني، فقد بلغ متوسط أسعار الفائدة على القروض 15ر9% في فلسطين مقابل 68ر8% في اﻷردن، وعلى الودائع 38ر3% فقط في اﻷراضي الفلسطينية مقابل 45ر5% في اﻷردن.
أما بالنسبة للدوﻻر، فقد أظهرت الدراسة أن متوسط أسعار الفائدة على اﻹيداع بالعملة اﻷميرآية قد بلغ في أمريكا 5.27%، في حين انخفض إلى 38ر2% فقط في اﻷراضي  الفلسطينية. وعزت الدراسة هذه الفروقات في أسعار الفائدة في اﻷراضي الفلسطينية إلى جهل أو عدم معرفة المودعين بالفروق القائمة بين ما يدفع لهم في فلسطين أو ما يسجل عليهم من فوائد والنسب المعمول بها في البلدان المصدرة للعملة المتداولة، باﻹضافة إلى عدم اعتراض المودعين والمقترضين على هذا الموضوع.


وعزت الدراسة هذه الفروقات في أسعار الفائدة في الأراضي الفلسطينية إلى جهل أو عدم معرفة المودعين بالفروق القائمة بين ما يدفع لهم في فلسطين او ما يسجل عليهم من فوائد ونسب المعمول بها في البلدان المصدرة للعملة المتداولة، بالإضافة إلى اعتراض المودعين والمقترضين على هذا الموضوع.
محمود سالم موظف حكومي، حصل على قرض من بنك (س) وقيمته 4000 دولار، ومدة التسديد 6 سنوات، يقول ان الفائدة ترتفع اذا ارتفع سعر صرف الدولار، اما اذا انخفض سعر الصرف فلا ينخفض سعر الفائدة. ويضيف محمود ان البنك يعطي اشعارا عندما يرتفع سعر الصرف، ويبلغه ان الدولار ارتفع وسيتم الخصم عليك.
تقول سلطة النقد "يتم تحديد أسعار صرف العملات لدى المصارف وفقاً لنشرة رويترز اليومية العالمية بالخصوص، ويمكن للمصرف تحديد أسعار صرف تفضيلية لعملائه لمنافسة المصارف الأخرى، حيث إن أسعار الصرف تتغير صعوداً أو هبوطاً خلال اليوم نفسه وحسب أسعار الأسواق المالية العالمية".
وفي الاجابة على سؤال حول العمولات على سعر الصرف تقول سلطة النقد "لا يوجد عمولات على سعر الصرف عند تحويل العملة بين حسابات العميل لدى المصرف لسداد دفعات القروض، وإنما يتم اعتماد سعر الصرف السائد لدى المصرف بتاريخ التحويل".
كما اكدت سلطة النقد انه يتم اعتماد نشرة سلطة النقد لتوحيد إعداد البيانات المالية لدى المصارف.

دعوات لتخفيض سعر الفائدة

ابو علاء موظف في وزارة حكومية، يستفزه حال الكثير من الموظفين الذين حصلوا على القروض وهم عالقون الان في دوامة التسديد في ظل مصير رواتبهم المجهول، يقول "هناك من اشترى شقة بمبلغ 100 ألف دولار مثلا، ورهن نفسه للبنك لما يزيد على 20 سنة، وبالنهاية وجد نفسه عالقا في دائرة الفوائد التي تتأثر زيادة باختلاف سعر الصرف ولا تتأثر نقصانا، فاضطروا لبيع شققهم لاخراج نفسهم من هذه الدوامة".

من جهته، شدد د. بدر على ضرورة ان يكون المقترض واعيا تماما لكل ما يتعلق بالقرض الذي سيحصل عليه، وأشار الى أن معظم المقترضين يجدون أنفسهم  في ورطة بعد حصوله على القرض نتيجة عدم فهمه لكافة النواحي المتعلقة بقرضه.
كما رأى د. بدر ان هناك ضرورة لخفض سعر الفائدة لدى البنوك الفلسطينية معتبرا اياها مرتفعة جدا منوها إلى أن خفض الفائدة سيكون له أثر في تشجيع البنوك التجارية على الاقتراض من البنك المركزي، ما يدفع نحو زيادة الاموال المتاحة لإقراض الافراد وتمويل المشاريع ودفع عملية التنمية في البلاد عندما تستغل هذه الأموال في إنشاء مشاريع صناعية وتنموية، والتي بدورها تساهم في اخراج الاقتصاد الفلسطيني من حالة الركود".
واضاف د. بدر "كلما تم خفض سعر الفائدة اعطى ذلك دافعا لدى المودعين لسحب بعض ودائعهم وتشغيلها في السوق بانشاء استثمارات تدر عليهم الربح الوفير".
وقال د. بدر ان خفض الفائدة على الودائع له دور كبير في خفض التضخم وخلق فرص جديدة للشباب العاطل عن العمل، ودعا لتحفيز التوجه نحو الاستثمار بدلا من الادخار لدى المجتمع الفلسطيني، فمن الواضح توجه كثير من المستثمرين نحو الادخار، وهذا هو حال الكثير من المواطنين، وهي حالة من الوعي والثقافة في مجتمعنا الفلسطيني، وبالتالي تتسبب هذه الحالة في دفع عجلة النمو الاقتصادي للوراء، فتبقى الأموال مكدسة في البنوك دون الاستفادة منها، وهذا يتطلب مراجعة للسياسة النقدية في البلد، والتي عليها ايجاد الطرق الكفيلة بتغيير هذه الثقافة المجتمعية، كذلك هو دور المصارف في فلسطين لخفض الفائدة وتشجيع تحريك هذه الأموال في السوق لجلب المنفعة على الاقتصاد الفلسطيني ككل.
كما دعا د. بدر الى ضرورة تحرك سلطة النقد الفلسطينية للتدخل في هذا الموضوع، وذلك للدفع نحو استغلال الأموال المودعة لدى البنوك كونها باتت عائقا امام التنمية الاقتصادية المحلية ومحبطا أساسيا للاستثمار في البلد.


  • شروط الاستخدام
  • تصميم و تطوير
  • إن المواد المنشورة في الموقع ممنوع بثها أو إعادة توزيعها بأي شكل من الأشكال تحت طائلة المساءلة القانونية.
    This material may not be published, broadcasted, rewritten or redistributed. © 2019 aliqtisadi.ps All Rights Reserved