كانت يعبد وصارت كل الضفة الغربية: زراعة التبغ …عنوان فشل / بقلم

 

image-1
طباعة الصفحة


رام الله - الاقتصادي - افاق البيئة - كُتب الكثير عن زراعة التبغ كظاهرة، لكنه ليس ظاهرة فحسب؛ إنه الفشل. فقد فشلت كل الجهود في التصدي لهذه الظاهرة، والفشل كان يتوقعه العارفون بهذا الشأن.

لا يحتاج الموضوع للكثير من التحليل والبحث في أسباب، ليس فقط فشل وقف زراعة التبغ، ولكن أيضاً في الحد من تمدد هذه الزراعة، التي انطلقت من سهول يعبد في شمال الضفة الغربية وتمددت في محافظة جنين، لتصل حتى مناطق الخليل وجنوبها مروراً بمناطق في طولكرم، نابلس، قلقيلية، طوباس ورام الله. إنه مشهد يدمي القلب وأنت ترى سهل مرج ابن عامر، الذي كان يجود بالخير في إنتاج الغذاء، يتحول من جهة إلى غابة إسمنت تغمض الجهات المسؤولة أعينها كي لا تراها وتتخذ إجراءً قاطعاً لحمايته، ومن جهة أخرى تغزوه زراعة التبغ ليتحول من مصدر إنتاج الغذاء، إلى إنتاج مادة لا فائدة منها بالمطلق. نحن نقتل واحدة من أهم أسس إنتاج غذائنا كشعب.

لقد حَلَّت زراعة التبغ مكان المحاصيل الاستراتيجية الرئيسية، مثل القمح والشعير والمحاصيل العلفية، واكتست سهول جنين بهذا المحصول، الذي لا يحمل أي قيمة غذائية أو صحية أو بيئية أو اقتصادية، بل هو على العكس من كل ذلك تماماً، فهو ليس منتجاً غذائياً يحتاجه الناس في غذائهم اليومي، وعلى مستوى الصحة فهو من بين الزراعات الأكثر ضرراً على صحة البشر، أما على الصعيد البيئى فالدخان حين يزرع في أرض إنما يستنزفها لسنوات ويحد من إمكانية أن تزرع بمحاصيل جديدة وكونه يزرع كمحصول أحادي فهو لا يسمح بوجود التنوع الحيوي الزراعي، ما يؤدي إلى مشاكل أخرى كثيرة، ليس أقلها مساهمته في انتشار آفة الذبابة البيضاء بشكل واسع. ومن جهة أخرى لا يستفاد من مخلفاته كغذاء للحيوانات، كون الحيوانات لا تقبل عليه ولا تستسيغ أكله.

 وتبرز مشكلة جديدة ترافق زراعته وهي تلويث التربة بمخلفات البلاستيك الزراعي الذي بدأ استخدامه في زراعة التبغ وتراه يملأ بعض الحقول المزروعة بالتبغ، وسيصبح أحد الممارسات الأساسية المرافقة لزراعته؛ بما يحمله ذلك من تلويث للتربة الزراعية وخلقه لأمراض تربة مختلفة، إلى جانب الضرر الكبير الذي يلحقه البلاستيك بالثروة الحيوانية، حين تأكله الأغنام ولا يستطيع جهازها الهضمي تحليله، فيتراكم داخل الجهاز الهضمي ثم يقود لتسمم ووفاة الحيوانات. ورغم أن المزارعين يعانون من مشكلة البلاستيك الزراعي الأرضي في كل أماكن تواجدهم، فما زالوا مستمرين في استخدامه وتشجعهم على ذلك أحياناً جهات إرشادية مختلفة، من كل القطاعات الفاعلة في الزراعة!!

لأمر الآخر، الذي بدأ يظهر ولا يتكلم به أحد، هو منافسة محصول التبغ للمحاصيل الأخرى، ليس فقط على الأراضي الزراعية، وإنما على الأسمدة الطبيعية، التي كان يحصل عليها المزارعون في معظم الحالات مجاناً لاستخدامها في إنتاج الغذاء، خاصة مخلفات الأبقار والدواجن. التبغ من جهة ينافس ويستهلك الأسمدة الطبيعية، ومن جهة أخرى يترك الأرض الزراعية خلفه فقيرة وموبوءة بالبلاستيك وأمراض التربة ويفاقم من انتشار الذبابة البيضاء، التي تلحق الضرر الكبير بالمحاصيل الغذائية من الخضار.

كل ذلك لا يهم المزارعين المنتجين للتبغ/الدخان، ولا نلومهم في ذلك، فهم يجنون أرباحاً طائلة من هذه الزراعة، وهي زراعة ما زالت بعلية، تعتمد على مياه الأمطار، وتحقق أرباحاً أكثر من أي محصول بعلي آخر، ما يدفعهم إلى الاستمرار بها. ومن جهة أخرى فإن الأجرة، التي يحصل عليها أصحاب الأراضي بدل تأجير أراضيهم لزراعة التبغ، هي أعلى من أي أجرة، يمكن أن يحصلوا عليها بدل تأجيرها لزراعة محصول آخر. اذاً زراعة مربحة للزارع وأجرة أعلى لصاحب الأرض، وهذه هي العقدة التي يجب البحث في كيفية فكها إذا ظهرت إرادة حقيقية لوقف زحف هذه الآفة التي تضرب في عمق قضية الأمن الغذائي بمفهوم الإنتاج المحلي والذاتي للغذاء.

يحتاج العمل على فك هذه العقدة إلى تخطيط وبحث عميقين، تشارك به جهات تنموية، زراعية، اقتصادية واجتماعية للخروج باستراتيجية محكمة تعمل على الحد من انتشار زراعة التبغ وإعادة الأراضي، لتنتج ما كانت تنتجه من غذاء وأعلاف. وحتى اللحظة، لا يبدو أن هناك إرادة لدى السلطة الفلسطينية، لوقف هذه الآفة المستفحلة، وبالتالي ليس هناك خطط في هذا الاتجاه، وذلك على الرغم مما تلحقه زراعة التبغ والاتجار به من خسائر على خزينة السلطة، حيث يلجأ غالبية المدخنين لتدخين المنتج المحلي، الذي يتم تسويقه دون سيطرة أو متابعة ضريبية، وهو الأكثر شعبية بين المدخنين ذوي الدخل المحدود ولفئة المراهقين.

وبالتالي، فإن الضرائب العالية على الدخان المستورد من جهة، وعدم وجود ضريبة على الدخان المنتج محلياً يلحقان خسائر بخزينة السلطة من جهة، ومن جهة أخرى فإن الثمن الرخيص للدخان المحلي يسهم بشكل كبير في زيادة عدد المدخنين بين المراهقين. والسؤال الذي لا أملك إجابة عليه هو: هل تقليل الضرائب على الدخان المستورد والذي يقود إلى خفض سعره، يمكن أن يؤدي إلى تراجع المساحات المزروعة من الدخان محلياً؟ وبالتالي تعود بعض الأراضي إلى إنتاج المحاصيل الغذائية المهمة؟ والسؤال الآخر: لماذا لا تعمل السلطة بوزاراتها ذات العلاقة (الزراعة، الاقتصاد، المالية، الصحة، البيئة) على وضع استراتيجية لمواجهة هذه الآفة المتمددة؟ وقد تكون واحدة من الخطوات لعودة الأرض لتزرع بالمحاصيل الغذائية هي العمل على تحسين إنتاجية الدونم من المحاصيل الغذائية وجعل العائد من زراعة المحاصيل الغذائية أعلى من العائد الحاصل من زراعة الدخان. وهنا يأتي دور وزارة الزراعة والمؤسسات البحثية/الجامعات والمؤسسات العاملة في حقل التنمية الزراعية. إن المردود التنموي لكل المشاريع التنموية التي نفذتها وزارة الزراعة والمؤسسات الأهلية قد لا يعادل خروج كل تلك المساحات التي تعد بآلاف الدونمات من دائرة الإنتاج الغذائي ودخولها إلى دائرة الدخان، المدمر للبيئة والاقتصاد والأهم من ذلك الصحة.

لقد حلت زراعة التبغ أيضاً محل المحاصيل الغذائية البلدية، التي كانت تزرع بين أشجار الزيتون وتعرف بالزراعة البيئية، وليست المشكلة فقط في فقدان إنتاج تلك المحاصيل، بل في ضياع البذور البلدية لتلك المحاصيل وفقدان المعرفة التقليدية المتوارثة المرتبطة بزراعة المحاصيل الغذائية، وهي معرفة زراعية قديمة تضرب جذورها في التاريخ، ومبنية على تجارب تمتد عبر مئات السنين، تبدأ من كيفية تحضير الأرض للزراعة، وتكمل دورتها في كيفية انتاج البذور البلدية للاستخدام في الدورة التالية وما يرافقها من أمثال شعبية تحمل الكثير من الحكمة والتجربة، إضافة إلى الأهازيج الشعبية ذات الصلة. يترافق ذلك مع العلاقات الاجتماعية، التي كانت سائدة بين الفلاحين وتبدأ بتبادل البذار والأشتال البلدية وتستمر خلال العام بأشكال "العونة" المختلفة.

مما سبق يمكننا أن نقدر حجم الكارثة، التي أحدثتها زراعة التبغ، والعجز القائم لدى المؤسسات الرسمية والأهلية في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، التي تتمدد كالسرطان في جسد الأراضي الزراعية بدءاً من سهل مرج ابن عامر وحتى الخليل. هذه المواجهة المطلوبة يجب أن تركز بشكل أساسي على الجانب الاقتصادي، من خلال جعل الزراعات الغذائية بالنسبة للمزارع، تعادل في الدخل ما يمكن أن يأتي من زراعة التبغ. أما ما يدعو له البعض بأهمية نشر التوعية بين المزارعين وأصحاب الأراضي، فهو عنوان عجز وفشل لن يأتي بنتيجة سوى مزيد من الفشل.