هل يصبح الرئيس الجديد للبنك الدولي مخلب ترامب لاقتناص الدول؟


image-1
طباعة الصفحة


وكالات - الاقتصادي-  يغادر رئيس البنك الدولي الحالي جيم يونغ كيم منصبه مبكراً وقبل انتهاء مدته بثلاث سنوات، لتبدأ رحلة البحث عن رئيس جديد للبنك، وسط مجموعة من التعقيدات داخل أميركا والاتحاد الأوروبي وخارجهما. 

وطرحت مغادرة يونغ كيم المبكرة مجموعة من التساؤلات عن مستقبل البنك الدولي، وعما إذا كان لا يزال مؤسسة تمويل فاعلة في المسرح العالمي وسط المتغيرات الاقتصادية والجيوسياسة التي تجتاح العالم، خاصة تحت ظل السياسات الاقتصادية الانعزالية التي ينفذها الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي هدّد في بداية فترة حكمه بخفض التمويل الأميركي للبنك الدولي.

وكان كيم قد واجه مجموعة من الخلافات حتى مع إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، بالإضافة إلى الخلافات الكبرى مع الرئيس الحالي دونالد ترامب، وذلك وفقاً لتصريحات مسؤولين بالبنك الدولي. 

في هذا الصدد، قال مسؤول بالبنك الدولي لم يذكر اسمه لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، "في الوقت الراهن هناك قلق بين مسؤولي إدارة البنك بعد مغادرة "كيم" منصبه، حول كيفية حماية البنك من سياسات ترامب"، وذلك ببساطة لأن تكليف إيفانكا ابنة ترامب باختيار المرشح الجديد لرئاسة البنك سيكون متوافقاً مع السياسة الانعزالية للإدارة الأميركية. 

وكان مسؤول بالبيت الأبيض قد قال، مساء الأثنين، إن إيفانكا ترامب ستساعد في عملية اختيار مرشح أميركي لمنصب رئيس البنك الدولي. وكانت تقارير سابقة قد ذكرت أن إيفانكا ستصبح هي نفسها رئيسة للبنك الدولي، لكن، وحسب رويترز أمس الاثنين، فقد نفى البيت الأبيض طرح اسم إيفانكا كمرشحة محتملة للمنصب.

ووفقاً لموقع البنك الدولي، اجتمع مجلس المديرين التنفيذيين بالبنك في 9 يناير/ كانون الثاني الجاري لمناقشة عملية اختيار الرئيس المقبل لمجموعة البنك الدولي، بشفافية وعلى أساس الكفاءة وليس على أساس الجنسية. 

وأكد المجلس مجدداً في الاجتماع على أهمية أن تكون إجراءات الاختيار مبنية على الجدارة والاستحقاق ومتسمة بالشفافية، وبالتالي فإن الرئيس الجديد للبنك الذي سيوافق عليه مجلس الإدارة ربما لا يكون أميركياً أو متوافقاً مع سياسات ترامب. وهذا يتعارض مع رغبة ترامب الذي يسعى لاختيار رئيس للبنك تحت هيمنته.

وحتى الآن تقدم أكثر من ثلاثة مرشحين للمنصب، وهم دونالد كابيروكا، وهو اقتصادي من رواندا، ووزير التنمية الإندونيسي السابق سري مولواني أندرواتي، والاقتصادي النيجيري نوغوزي أوكونجو أيوالا. وكان الأخير أحد المرشحين الذين نافسوا الرئيس الحالي كيم في دورة 2012. 

ولم يكشف بعد عن مرشحين أميركيين في عملية الاختيار التي تبدأ في صباح 7 فبراير/ شباط وتنتهي في 14 مارس/ آذار المقبل.

ومعروف عن ترامب معارضته الشديدة للمؤسسات المالية الدولية المشتركة، إذ يرغب في تدميرها أو صياغتها بما يخدم سياساته المالية والاقتصادية. 

وحسب معلومات "فاينانشيال تايمز"، فإن ترامب يرى أن البنك الدولي الذي تشارك فيه أميركا بالنصيب الأكبر من التمويلات، يخدم أهداف دول معادية لأميركا وسياسات تتناقض مع سياساته الاقتصادية. 

وعلى سبيل المثال، فإن ترامب يعارض تمويلات البنك لمشروعات حماية البيئة النظيفة ومشروعات مبادرة "الحزام والطريق" الصينية التي ينظر إليها على أنها ستدمر الاقتصاد الأميركي. 

ويرى خبراء أن هيمنة أميركا على المؤسسات الدولية التي أسست بعد الحرب العالمية الثانية أفقدتها فاعليتها، وأصبحت أذرعاً مالية لتنفيذ مخططاتها ، خاصة في عهد الرئيس ترامب الذي يجاهر علناً بضرورة ضرب اقتصادات الدول التي لا تتوافق مع سياساته. 

وما يساعده على ذلك، تحكم الولايات المتحدة بنسبة 17% تقريباً من الأصوات في صندوق النقد الدولي و16% في البنك الدولي، وتأتي حليفته اليابان في المرتبة الثانية بنسبة 6% في الصندوق و8% في البنك، تليها ألمانيا، بريطانيا، فرنسا؛ كل واحدة من هذه الدول تملك من الأصوات حوالي 5%، وتتمتّع الولايات المتحدة بحق النقض "الفيتو" على القرارات الكبيرة للبنك، خاصة في موضوع التمويل، وعادة ما يعين رئيس الولايات المتحدة، رئيس البنك الدولي، ولكن تم تغيير ذلك في الدورة الأخيرة.

ويصارع البنك الدولي من أجل البقاء في السنوات الأخيرة، ليس فقط بسبب الضربات الموجعة التي يتلقاها من ترامب وانتقاداته اللاذعة لدوره ورفض تمويله، ولكن كذلك بسبب المستجدات الاقتصادية التي حدثت في المسرح العالمي. 

ومنذ تأسيس  البنك الدولي للإنشاء والتعمير، والمعروف اختصاراً باسم البنك الدولي قبل 70 عاماً حدثت تغييرات كبيرة في ثقل الاقتصادات العالمية ودورها في التأثير على صنع القرار في المؤسسات المالية المشتركة التي تم تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية. 

وعلى رأس هذه المؤسسات البنك الدولي الذي أنشئ أساساً لإعادة تعمير ألمانيا التي دمرتها الحرب ثم مساعدة باقي دول أوروبا الغربية على النهوض اقتصادياً، والوقوف في وجه المد الشيوعي في روسيا وأوروبا الشرقية إلى باقي الدول الأوروبية الحليفة لواشنطن.

وقد نجح البنك الدولي في هذه المهمة نجاحاً باهراً، إذ أفاد أوروبا الغربية وأنعش الاقتصاد الأميركي، كما ساهم في ربط العالم الرأسمالي وتقويته في مواجهة الاقتصاد الماركسي في أوروبا الشرقية. 

وكان البنك الدولي ولا يزال تحت السيطرة الإدارية الأميركية، ولكن ومع مرور الوقت وصعود الاقتصادات الناشئة، وعلى رأسها الصين، تغيّرت الخارطة الاقتصادية في العالم وتكونت مجموعة "بريكس" وتعرض لانتقادات حادة من قبل دول العالم الثالث والاقتصادات الناشئة.

ولا يواجه مستقبل البنك الدولي لكمات قوية فقط من ترامب، لكنه يواجه كذلك منافسة قوية من بنك التنمية الجديد الذي أسسته مجموعة بريكس المكونة من الاقتصادات الناشئة الكبرى، وهي الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، لمواجهة الهيمنة الأوروبية والأميركية في صياغة الاقتصاد العالمي. 

وبنك التنمية الجديد يبلغ رأس ماله 100 مليار دولار، ويمنح تمويلات سخية لدول العالم. كما أن الصين التي تملك فوائض مالية تفوق 3 تريليونات دولار تدخلت بشكل مباشر في السنوات الأخيرة لإقراض الدول في آسيا وأفريقيا. 

وبالتالي، فإن البريق الذي كان لدى البنك الدولي في توجيه سياسات دول العالم الثالث، بدأ يخفت. وتتجه حالياً العديد من الدول الفقيرة بشكل مباشر إلى بكين للحصول على قروض من الحكومة الصينية أو إلى شنغهاي، حيث يوجد مقر بنك التنمية، للحصول على قروض من دول مجموعة بريكس التي تضم عدداً من اقتصاديات الأسواق الناشئة. 

وفي مسعى لزيادة فاعليته يعمل البنك الدولي على زيادة رأس ماله وكذلك تمويلاته للمشاريع. وفي هذا الصدد، قال البنك في تقريره الأخير عن تمويلات عام 2018، ارتفعت تمويلات مجموعة البنك الدولي للبلدان النامية إلى حوالي 64 مليار دولار في السنة المالية 2018 التي انتهت في 30 يونيو/ حزيران بزيادة قياسية في قطاعات التنمية البشرية وتمويل الأنشطة المناخية والمساندة من المؤسسة الدولية للتنمية.

وفي السنة المالية الماضية، رفع المساهمون في البنك الدولي رأس المال بنحو 13 مليار دولار، كما ارتفعت القروض لأغراض التنمية البشرية، التي تشمل التعليم، والصحة، والتغذية والسكان، والحماية الاجتماعية، والوظائف، بنسبة قياسية بلغت 74%.

وارتفعت نسبة هذه الأنشطة من إجمالي تمويلات البنك الدولي إلى 25.2% في السنة المالية 2018 من 16% في السنة المالية 2017. كذلك قدّم البنك الدولي دعماً مباشراً للدول الفقيرة بلغ 23 مليار دولار. 

لكن رغم ما شهده البنك الدولي من زيادة في القروض والتمويلات، فإنه لا يزال يواجه انتقادات عديدة في الآونة الأخيرة وليس فقط من الاقتصادات الناشئة ولكن من دول مثل ألمانيا. وتتخوّف الدول الأوروبية من فقدان البنك الدولي لصفته الدولية وسط انتقادات ترامب المستمرة لإدارته.