شركة الشخص الواحد في ظل القرار بقانون رقم (42) لعام 2021 بشأن الشركات
10:03 مساءً 20 أيار 2022

شركة الشخص الواحد في ظل القرار بقانون رقم (42) لعام 2021 بشأن الشركات

الاقتصادي - المحامية يارا أبو ميزر – مستشارة قانونية واستثمارية للشركات الناشئة

تُعد شركة الشخص الواحد خروجاً عن الأصل الذي يعتبر "الشراكة" هي أساس قيام الشركة. فالمفهوم العام للشركة أنها عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بالمساهمة في مشروع مالي عبر تقديم حصته من مال أو من عمل للاستثمار في ذلك المشروع واقتسام ما قد ينشأ عنه من ربح أو خسارة. وبالرجوع إلى الفقه، نجد أن أول ظهور لهذا الشكل من الشركات كان في أوروبا في دولة ليختينشتاين عام 1925، بحيث سمح القانون المدني آنذاك بتأسیس المشروع الفردي للتاجر مع تحدید مسؤولیته عن الدیون والإلتزامات المترتبة على هذا المشروع، وبعدها توالت النظم القانونية حول العالم بتنظيم هذا الشكل من الشركات ومنها فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، الإمارات، الأردن، البحرين وقطر وغيرها. ومؤخراً تم تنظيم هذا النوع من الشركات في النظام القانوني الفلسطيني بموجب القرار بقانون رقم (42) لعام 2021 "قانون الشركات الجديد".

بالرجوع إلى مختلف الأنظمة القانونية، خَلُص الفقه لتعريف شركات الشخص الواحد على أنّها: " آلیة قانونیة استثنائية تقدم للمستثمرین نظاماً قانونیاً لاستثمار جزء من رؤوس أموالهم مع توفیر ضمانات قانونیة بعدم امتداد مسؤولیتهم عن استثماراتهم إلى ذمتهم المالیة العامة".  كما عرّفها جانب آخر من الفقه على أنّها : "الشركة المؤلفة من شریك واحد طبیعي كان أو معنوي، ویكون لهذه الشركة ذمة مالیة مستقلة عن الذمة المالیة للشریك".

الفرق بين شركة الشخص الواحد والمنشأة الفردية

يتشابه مفهوم شركة الشخص الواحد مع مفهوم المنشأة الفردية كون المفهومين مرتبطان بوجود شخص واحد بشكل حصري يتعاطى عملاً تجارياً، وبالرغم من هذا التشابه، فإنّه يوجد العديد من الاختلافات بين المفهومين؛ على رأسها استقلال الشخصية القانونية لشركة الشخص الواحد عن صاحبها بعكس المنشأة الفردية التي ليس لها كيان قانوني قائم بحد ذاته. إضافة إلى ذلك، فإنّ الذمّة المالية لشركة الشخص الواحد (التي قد تكون على هيئة شركة محدودة المسؤولية أو شركة مساهمة خصوصية) منفصلة عن الذّمة الماليّة للعضو أو المساهم فيها، بحيث أن مسؤوليته عن ديون الشركة محدودة بقيمة رأس المال المُساهَم فيه ولا تتعدّاه. علاوة على ذلك، فإنّ المرجعية القانونية والإطار القانوني الناظم لشركة الشخص الواحد بشكل عام هو قانون الشركات (كما في الحالة الفلسطينية قانون الشركات) أمّا المنشآت الفردية فهي غالباً ما تحتكم لقوانين التجارة (بشكل عام) وللقوانين المدنية السّارية.

 

معالجة القانون الفلسطيني لشركة الشخص الواحد

خلا قانون الشركات الجديد من تعريف صريح لشركات الشخص الواحد، إلا أنه وباستقراء نصوص وأحكام القانون، فإنه يمكن تعريفها ضمنياً على أنها: الشركات المؤلفة من عضو أو مساهم واحد طبيعي أو معنوي، بحيث تكون الذمة المالية للعضو أو المساهم منفصلة عن الذمة المالية للشركة وتكون مسؤوليته محدودة بمقدار رأس المال المستَثمر في الشركة. الجدير بالذكر هو عدم اعتبار قانون الشركات الجديد شركات الشخص الواحد نوعاً منفصلاً بحد ذاته، فقد تمّ تصنيفها على أنها شكلٌ من أشكال الشركات ذات المسؤولية المحدودة، شركات المساهمة الخصوصية.

نتيجةً لذلك؛ تنطبق الأحكام العامة التي تنطبق على هذه الشركات إذا اتخذت شكل شركة الشخص الواحد، مع إفراد بعض الأحكام التي تتناسب وطبيعتها، فمثلاً لا تحتاج الشركة ذات المسؤولية المحدودة المكونة من عضو واحد إلى اتفاقية إدارة إلا في حال تم ضم عضو جديد للشركة. كما وأنّه إذا تألفت الشركة المساهمة الخصوصية من مساهم واحد، فإن هذا المساهم يمارس جميع صلاحيات الهيئة العامة للشركة، مع وجوب توثيق القرارات التي يتخذها بهذه الصفة خطياً، بما في ذلك العقود التي تبرم فيما بينه وبين الشركة.

تجدر الإشارة، إلى أنّه يمكن تأسيس شركة الشخص الواحد بشكل مباشر، عبر قيام الشخص الطبيعي أو المعنوي بتأسيس وتسجيل الشركة مباشرةً على النحو المنظم بالقانون كشركة ذات مسؤولية محدودة أوشركة مساهمة خصوصية. كما أنّه يمكن أن تتكون شركة الشخص الواحد بشكل غير مباشر من خلال خروج جميع الشركاء الآخرين بحيث يبقى عضو أو مساهم وحيد في الشركة.

 ميّزات شركات الشخص الواحد:

إن لتنظيم شركات الشخص الواحد العديد من الميّزات، ومنها:

تشجيع روّاد الأعمال على البدء في مشاريعهم الريادية دون التقيّد بوجود شركاء ربما يشكّلون عقبة مستقبلية أمامهم لتبرير وجودهم خاصّة عند الخضوع لعمليات الفحص القانوني "Due Diligence" لأغراض الاستثمار أو التمويل.
توفّر مساحة لأصحاب المشاريع الحرفية والصغيرة بأن يقوموا بتحديد مسؤوليتهم بمبالغ معيّنة تتناسب وحجم أعمالهم وقدراتهم المالية دون التعرّض لمخاطر الملاحقة من قبل الدائنين ودون الحاجة لوجود شركاء.
ضمان  استقلالية الذمة المالية للشركة التابعة عن الشركة القابضة، - في حال قيام شخص معنوي كشركة مثلاً تأسيس شركة شخص واحد، التي غالباً ما تكون على هيئة شركة تابعة "Subsidiary"وبالتالي؛ إمكانية الحد من مخاطر التوسع في أعمال تجارية جديدة، ذلك أن إفلاس الشركة التابعة لا يؤدي بالضرورة لإفلاس الشركة الأم كون أنمسؤولية الشركة الأم محدودة بقيمة رأس المال المساهَم فيه.
الحد من تسجيل شركات صورية ووهمية، فعملياً هناك العديد من شركات التي يتم تأسيسها من شريكين أو أكثر، لاستيفاء متطلب شكلي يفرضه القانون في حين أن الواقع هو أن هذه الشركة مؤلفة فعلياً من شخص واحد فقط.
الإدارة المرنة والتكلفة الأقل في هذا النوع من الشركات؛ حيث أنّ اتخاذ القرارات لا تحتاج لإجراءات بيروقراطية عميقة فهي تعتمد وبشكل كلي وأساسي على العضو أو المساهم الوحيد، مما يوفّر سرعة أكبر في اتخاذ القرار وعبئ مالي أقل.

بالنظر لميّزات هذا الشكل من الشركات، نجد أنها تناسب أي شخص طبيعي لديه الرغبة والقدرة على إدارة مشروعه التجاري بنفسه دون الحاجة لوجود شركاء مع إمكانية الاستفادة من بناء سجل ائتماني دون تأخير ومن محدودية مسؤوليته في المبلغ المقتطع لهذا المشروع "مبلغ الاستثمار"، هذا ويستفيد من هذا الشكل ممارسو العمل الحر كالباحثين والمصممين والكتّاب، ومستشاري الأعمال، والرياديين الذين لديهم القدرة على تطوير أفكارهم بأنفسهم، وأصحاب المهن الحرفية والمشاريع الصغيرة. كما وأن هذا الشكل من الشركات مناسب للأشخاص المعنويين الذين يبتغون اقتطاع مبلغ معيّن للتوسّع في أعمال جديدة دون أن يتم الخلط بين أموالهم المختلفة مما يقلل من المخاطر التي قد تحيط بالشركة الأساسية كنتيجة لذلك الخلط.

مآخذ شركات الشخص الواحد

بالرغم من وجود العديد من الميزات لشركات الشخص الواحد، إلا أن هناك بعض المآخذ التي تحيط بهذا الشكل من الشركات منها:

صعوبة الفصل الفعلي والحقيقي بين أموال العضو أو المساهم الشخصية وأموال الشركة بالرغم من وجود فصل بينهم نظرياً.
عدم وجود إطار قانوني ناظم للعلاقة بين الكيانين في حالة تأسيس شركة شخص واحد من قبل شخص معنوي، فالآلية الوحيدة لتنظيم العلاقة بينهم هي من خلال العقود.
عدم توزيع عبء تغطية رأس المال على أكثر من مساهم، مما يزيد من الأعباء المالية على المساهم أو العضو الوحيد ويضعف القوة الائتمانية للشركة.
في حال فقدان الشريك الوحيد في شركة مهنية رخصة ممارسة مهنة معيّنة، فإنّ ذلك يؤدي بالضرورة إلى وقف ممارسة الشركة لأعمالها لحين استرجاع الترخيص.

بالنتيجة، إنً تنظيم العديد من الدول لهذا الشكل "الاستثنائي" من الشركات هو خروج عن الفكرة التقليدية لقيام الشركات على أساس عقدي بين أكثر من طرف، وأرى أن ذلك الخروج لم يكن اعتباطياً نظراً للميّزات التي تحيط بهذا الشكل من الشركات، وأبرزها الحدّ من ربط مفهوم محدودية المسؤولية بوجود شركاء يتعاطون العمل التجاري على أساس عقدي، إلّا أنه يجب وبجميع الأحوال الوعي بالمخاطر التي تنطوي على تأسيس وتسجيل هذا النوع من الشركات وإدارتها بالأسلوب الذي يضمن الاستفادة القصوى من ميّزاتها.

Loading...