"القهوة البلدي"... الزوجة الثانية للرجل المصري

image-1
تاريخ النشر: 2016-06-20


"النصبة، الكنك، الشيش، الحجر، السناقر (غلاية المياه)، الأباريق، البكرج (براد كبير) الراديو، الكراسي، الترابيزات وحتى الضجيج.." كلها مفردات "القهوة البلدي"، التي تشكل جزءاً كبيراً ومهماً من ثقافة الرجل المصري.

في الأصل، كان المقهى مكاناً للالتقاء خارج البيوت، في وقت كان فيه من العيب اصطحاب الغرباء إلى المنازل، لأن لكل بيت حرمته وخصوصيته، ثم تطور الأمر إلى اعتماده مكاناً للتسلية والمسامرات، وأصبح بعد ذلك مكاناً لإقامة الندوات والحفلات الشعرية، لترتاده الطبقات والفئات المختلفة ثقافياً واجتماعياً، ثم أصبح المكان الرسمي للشخص العاطل عن العمل، إذ يقضي فيه الشخص ساعات يلعب الدومينو أو الشطرنج، ويحتسي أكواباً من الشاي والقهوة، غالبا ما تسجل في "النوتة" (دفتر الديون)، ويدفع عندما يتيسر الحال.


علاقة الرجل المصري بالمقهى البلدي، علاقة تاريخية أصيلة، تمزج بين الرغبة والخوف، الرغبة في دخول عالم المقاهي والاستمتاع بممارسة اللا شيء، والخوف من ذلك العالم الغامض. يهرب الطفل الذي شارف على أعتاب المراهقة من مدرسته ليجلس "على القهوة"، ليثبت فقط بجلوسه هناك أنه أصبح رجلاً. ويتجمع فيها الشباب وكبار السن، حتى أن البعض يذهب إلى المقهى بمفرده من دون صحبة، وفي أقل من ساعة تجد طاولته مزدحمة بعدد كبير من زبائن القهوة، الذين قرروا الاستمتاع بإحدى ألعاب التسلية المعروفة كالطاولة أو الدومينو أو غيرها.


الإقبال المتزايد على المقاهي البلدية، وعدم تطلع مرتاديها إلي أكثر من مقعد وطاولة، سهّل إقامتها، إلى درجة أن في مصر "مقاهٍ محمولة"، تنتقل إلى أماكن التجمعات العمالية والجماهيرية كمواقع الإنشاءات الجديدة، والموالد، وأحيانا المظاهرات، و"مقاهٍ موقوتة"، تظهر على أرصفة الشوارع في الليل وتختفي في النهار. ورغم زيادة "الكافيهات" الأرقى، والتي من المفترض أن تجذب الفئات العمرية الصغيرة، إلا أن الإقبال على القهوة البلدي من تلك الفئات ما زال متزايداً، باعتبارها صك الرجولة للمراهق والشاب. الكثيرون يفضلوا المقهى البلدي باعتباره، من ناحية أخرى، مكاناً فسيحاً مفتوح الأبواب، فضلاً عن أسعاره الرخيصة مقارنة بالـ"كافيهات"، والأريحية التي يحظى بها الزبون في الحديث مع شخص آخر يجلس على طاولة قريبة منه، وهو لا يعرفه في الأصل. لا تنتهي علاقة الرجل المصري بالمقهى البلدي، بعد أن يجد عملاً أو يتزوج مثلاً، أو تتوسع دائرة مسؤولياته، ينهي الرجل عمله ويهمُّ مسرعاً إلى مقهاه، أو ينهي التزاماته أيا كانت، ويذهب ليوقع الحضور في مقهاه المفضل، وليشرب الشيشة ومشروبه المحبب، سواء أكان شاياً أم قهوة أم حلبة، ثم يعود إلى بيته.


على مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر الكثيرون عن حبهم للمقهى البلدي من خلال بعض "البوستات" مثل: "من أهم مميزات القهوة البلدي إنك عمرك ما بتسمع فيها كلام من قبيل منيمم تشارج- لاست أوردر- تحب تجرب كيكة الفراولة اللذيذة يا فندم؟"
وآخر يعبر عن فلسفته في حبه للمقهى البلدي "مفلس ولا معاك فلوس، فرحان أو زعلان هتفضل في نظرك أنسب مكان تقدر تروحوا وتروق فيه، وأي ست قعدت في أي قهوة هتستغرب إيه الحياة السخيفة اللي الرجاله بيحبوها دي".

 

 

 

 

 

نقلا عن العربي الجديد