الشركات الناشئة.. والمخاطر القانونية التي تبعد عنها الـ Exit! / بقلم المحامي عبد الرحيم ناشف

تاريخ النشر: 2015-09-13

عند الحديث عن الجوانب القانونية لتأسيس وعمل الشركات الناشئة (startups) في قطاعات التكنولوجيا المتطورة، فان هناك العديد من المواضيع الشائكة التي يتوجب على هذه الشركات معالجتها وتوخي الحذر في التعامل معها. في العادة، تتركز جهود إدارة الشركات الناشئة بتطوير منتجها وتحضيره لاختراق السوق أو بالبحث عن استثمارٍ أو تمويل، فيفوتها أحياناً تناول جوانب أخرى لعملها، لعل أهمها - الجانب القانوني. وقد يخلق ذلك لاحقاً إشكالاتٍ من شأنها أن تعيق تطور الشركة الناشئة أو أن تحول دون تمكنها من اخراج مشروعها الى حيز التنفيذ.

من خلال تجربتي في العمل مع العديد من الشركات الناشئة، المحلية والعالمية على حدٍ سواء، لمست أخطاءً عديدةً يقع فيها بعض رياديي الأعمال بشكلٍ متكررٍ، والتي تتشابه بالرغم من اختلاف مجالات عمل تلك الشركات. إذ نلحظ ذلك في الشركات العاملة في مجال تطوير البرمجيات (software)، المعدات (hardware) والتطبيقات (mobile apps)، الطاقة، أو تلك العاملة في مجال صناعة الأدوية أو تطوير الأجهزة الطبية. ولبعض هذه الأخطاء تداعياتٍ سلبيةٍ قد يكون لها أثرأ على تحديد قيمة الشركة وامكانيات نجاحها. لتجنب الوقوع في مثل هذه الأخطاء، فأنه من الضروري تناول النواحي القانونية لعمل الشركة الناشئة في المراحل المبكرة وبالتزامن مع بدأ العمل على تطوير المنتج.

حماية حقوق الملكية الفكرية: ولعل أبرز مثالٍ لهذه الأخطاء والتي قد يكون لها الأثر السلبي الأكبر على نشاط الشركة الناشئة هو تجاهل حماية حقوق الملكية الفكرية المستخدمة من قبل الشركة بتطوير منتجها أو خدماتها. فبعض رياديي الأعمال لا يولون أهمية كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية الخاصة بالشركة في المراحل الأولى لعملها. وليس القصد هنا تسجيل براءات الاختراع أو العلامات التجارية فحسب، بل أيضا حماية أنواع أخرى من حقوق الملكية الفكرية غير القابلة للتسجيل، والتي يتوجب حمايتها من خلال آلياتٍ قانونيةٍ خاصة تضمن للشركة حرية استخدامها في تطوير منتجها أو خدماتها. بالإضافة، تتغاضى أحياناً بعض الشركات الناشئة عن تنظيم حقوق استخدام البرمجيات التابعة لجهات أخرى في منتجها (بما في ذلك شيفرات البرامج المعروفة بالـ-open source )، ما قد يعرض الشركة للمخاطر القانونية، ومن هنا، يتحتم أن يكون استخدام تلك البرمجيات خاضعاً لشروطٍ قانونيةٍ مواتية تتيح للشركة استخدامها دون أي قيود.

العلاقة بين المؤسسين: هناك خطأً شائعاً آخراً يقع فيه كثير من رياديي الأعمال عند اقبالهم على تأسيس شركةٍ ناشئةٍ وهو عدم تنظيم العلاقة القانونية بين مؤسسي الشركة. فبعض رياديي الأعمال يتغاضوا أحياناً بشكل متعمد الخوض في مواضيع جدلية تتعلق بتنظيم العلاقة بين أفراد الطاقم المؤسس رغبةً منهم لتفادي أي إشكاليات قد تنتج عن ذلك. الا أنه في الواقع لا مفر من تناول هذه المواضيع عند اتخاذ قرار تأسيس الشركة، حيث أن أي خلاف ينشأ بين المؤسسين غالباً ما يكون له تداعيات سلبية على الشركة أو على المؤسسين أنفسهم في حال لم يتم تنظيم العلاقة مسبقأ. ولعل أشهر نزاعٍ قانوني بين مؤسسي شركة بدأت نشاطها كشركة ناشئة هو الخلاف بين مؤسس شركة Facebook مارك تسوكربرغ وشريكه إدواردو سافرين الذي استغرق سنوات حتى تم انهاءه من خلال اتفاق تسوية كانت نتيجته أن تنازل تسوكربرغ عن حصص في فيسبوك لصالح سافرين. ولتجنب احتمالية حدوث خلافات مستقبلية بين المؤسسين وبعضهم وبين المؤسسين والشركة قد تعيق بالتالي تطور الشركة الناشئة، يتوجب تنفيذ اتفاقيات وآلياتٍ قانونيةٍ معينة بين المؤسسين والشركة. أجد هنا ضرورة للتنويه على أهمية اعداد هذه الاتفاقيات والآليات مع مراعاة المعايير المتعارف عليها في هذا الحقل والمستقاة في الغالب من التوجهات المتبعة في عالم رأس المال المخاطر في وادي السيليكون. بالإضافة، ينصح باعداد هذه الاتفاقيات بالإنجليزية.

البنية القانونية: يمنح تسجيل الشركة (ذات المسؤولية المحدودة) رياديّ الأعمال إمكانية العمل من خلال كيانٍ قانونيٍ مستقل لتطوير وطرح المنتج أو الخدمة دون تحمل المسؤولية الشخصية (باستثناء حالات معينة ينص عليها القانون). ومن الأخطاء الشائعة التي يقع فيها بعض رياديي الأعمال هو اعتماد بنية قانونية غير مناسبة، أو تسجيل الشركة في دولة ذات نظام أو قوانين غير ملائمين لاعتبارات الشركة. عندها، تجد الشركة نفسها مجبرةٌ على تصحيح هذا "الخطأ" في مرحلة لاحقة، الأمر الذي قد يضفي بعض التعقيدات الضريبية والقانونية ويؤدي الى تحمل تكاليفٍ تكون الشركة الناشئة في غنى عنها. ويبقى السؤال: ما هي البنية القانونية الأنسب التي يجب اعتمادها وفي أي دولة يفضل تسجيل الشركة الناشئة. والاجابة على هذا السؤال تحدد وفقا لكل حالة على حدة، فهي تختلف باختلاف الاعتبارات الخاصة بالشركة، كالتخطيط الضريبي، نشاط الشركة والمساهمين فيها (بالإضافة الى اعتبارات أخرى).

إدارة المستندات القانونية واللجوء للاستشارة: البعض ممن يخوضون تجربة الريادة في الأعمال في عالم التكنولوجيا المتطورة لا يدركوا أهمية الحفاظ على المستندات القانونية الخاصة بالشركة وادارتها لضمان تطور الشركة من الناحية الاقتصادية. الا أن هذا الموضوع يعتبر في غاية الأهمية خاصة للشركات التي تنوي تطوير منتجها من خلال تجنيد رأس مال مخاطر (venture capital) أو تلك التي تسعى لتحقيق قيمتها الاقتصادية من خلال اعتماد استراتيجية تخارج (exit strategy). فان الشركة الناشئة التي تعتمد أحد المسارات المذكورة آنفاً تخضع عادةً للدراسة الاعدادية القانونية (due diligence)، وهي عملية معاينة المستندات القانونية للشركة من قبل الجهات المعنية (كالمسثتمرين، أو المقتنيين، أو ضامن الاكتتاب (underwriter) في عملية ادراج الأسهم في سوق النقد) وذلك للتأكد من عدم وجود أي اشكالات حالية أو مستقبلية في الشركة، وهنا تكمن ضرورة الحفاظ على المستندات القانونية الخاصة بالشركة من المراحل المبكرة لنشاطها.

وأحياناً قد يبدو أنه بالإمكان ارجاء اللجوء للاستشارة القانونية الى مراحلٍ لاحقةٍ من عمل الشركة الناشئة، الا أن هذا الاعتقاد الخاطئ قد يلحق بالشركة مخاطر قانونية حقيقية، حيث أن العديد من الأخطاء التي من شأنها أن تعيق تطور الشركات الناشئة تقع غالباً في المراحل الأولى لعملها. بالإضافة، فان بعض الشركات الناشئة تقوم أحياناً بجلب الاستثمارٍ دون الحصول على الاستشارة القانونية، ما يعني تنفيذ اتفاقيات استثمار قد تكون مجحفة بحق المؤسسين في الشركة. لذا، يتوجب على الشركة الناشئة أن تلجىء للاستشارة القانونية في مراحل نموها المختلفة وذلك من قبل قانونيين متمرسين، لا سيما أن قطاع التكنولوجيا ورأس المال المخاطر يستدعي معرفة نوعية لها أن تضمن أن يكون المستشار القانوني مواكباً للاتجاهات والمعايير المتبعة في هذا المجال.

لا بد من التنويه بأن هناك العديد من الجوانب القانونية الأخرى التي تتعلق بعمل الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا المتطورة، وما ذكر آنفا ما هي الا تلك المتعلقة بالأخطاء الأكثر شيوعاً التي يقع فيها بعض رياديي الأعمال.

إذاً، على ريادي الأعمال المقبل على تأسيس مشروع تكنولوجي أن يدرك أهمية تناول النواحي القانونية للمشروع (لا سيما في مراحله المبكرة) للحد من المخاطر القانونية التي ممكن أن تتعرض لها الشركة، وأن يعي أن ذلك من شأنه أيضاً أن يساهم باجتذاب الاستثمار والتمويل اللازم، وأن يضمن تسيير أسرع لعملية بيع الشركة في اطار عملية اندماج أو استحواذ (M&A)  أو ادراج أسهمها في أسواق النقد (IPO)، وبالتالي تحصيل قيمتها الاقتصادية المرجوة.

 

الكاتب هو محام في قسم الـ Hi-Tech & Venture Law Group في مكتب GKH Law  للمحاماة والخدمات القانونية، ويختص بالقوانين التجارية وقوانين الشركات، استثمارات رأس المال المخاطر، الشركات الناشئة والمعاملات التجارية الدولية.

البريد الالكتروني: [email protected].