الشراهة ترهق الاسرة

تاريخ النشر: 2014-07-09

رام الله- الاقتصادي-  حسناء الرنتيسي- حولت بعض المجتمعات العربية والاسلامية شهر الصوم والعبادة إلى شهرٍ استهلاكي من الدرجة الأولى، حيث تعتبر الأسر شهر رمضان من الأشهر التي تتطلب ميزانية عالية لتغطية تكاليفه، إذ يتضاعف الاستهلاك الغذائي وتكثر العزائم والولائم في شهر الصيام والعبادات.

خبراء اقتصاديون واخصائيون اجتماعيون يرجعون آفة الاستهلاك المستشري في رمضان لعادات وتقاليد وسلوكيات خاطئة تأصلت في المجتمعات العربية والاسلامية عبر السنين، في الوقت الذي يجب فيه تقليص الاستهلاك قدر الامكان بحكم الامتناع عن الاكل والشرب ثلاثة ارباع اليوم.

وكان مركز الإحصاء الفلسطيني قد اصدر بيانا قال فيه إن الإنفاق على الطعام من متوسط الإنفاق الكلي للاسرة في فلسطين، بلغ 34.5% من مجمل الإنفاق الشهري، بواقع 32.7% في الضفة الغربية و39.4% في قطاع غزة خلال العام 2011، ولا توجد بيانات احصائية حول الانفاق الاسري خلال الشهر الفضيل.

شهر استهلاك ام عبادة؟

وأِشارت فداء بصلات، المختصة في النوع الاجتماعي الى ان الناس عادة تعتبر شهر رمضان عبئا اقتصاديا عليها حين تتحدث عن التزاماتها المادية، فالمتعارف بين الناس انه شهر استهلاكي تتنوع فيه متطلبات الأسر من حلويات ولحوم ومشاوي ومشروبات وغيره، ما يتطلب الذهاب للتسوق يوميا في معظم الأحيان، وتكثيف العزائم والمبالغة في تنوع المأكولات على الطاولة، حتى وان لم يتم اكل نصفها، ما ادى لاستنزاف دخل الأسر، فهذه المبالغة ليس لها اي تبرير على الاطلاق، فيوم الصيام هو يوم كغيره من ايام السنة، بل ان معظمه امتناع عن الاكل والشرب، وليس شهر اسراف وولائم ومقارنات مع الاقارب والجيران.

بينما اشار المحلل الاقتصادي د. نافذ ابو بكر الى أن المبالغة في شراء الاصناف المتنوعة تضيف اعباء اقتصادية على الأسر المطالبة بتوفير كل هذه المنتجات والمواد الغذائية، والتي تبالغ في شراء هذه الاصناف وغيرها من الدواجن واللحوم وغيره، حيث تقوم ربة البيت بطهي دجاتين بدل دجاجة واحدة، وهكذا، وذلك بحكم العادات الاستهلاكية للناس التي تأصلت فيها هذه السلوكيات مع الايام.

ونوه عزمي عبد الرحمن، القائم بأعمال مدير عام السياسات الاقتصادية في وزارة الاقتصاد، ان حجم الاستهلاك الفلسطيني يزيد عن 90% من الناتج المحلي الاجمالي بشكل عام، ويزيد الاستهلاك بشكل اكبر في رمضان، حيث تكثر الولائم ويقبل الناس بنهم على شراء السلع الغذائية رغم ان المواد الغذاية موجودة دائما في السوق، ولن تختفي، لكن حركة التسوق تكون عشوائية لأن عادات الناس ومعتقداتهم عن رمضان خاطئة، فهو شهر الاعتدال في الأكل والشرب كما قال تعالى:"كلوا واشربوا ولا تسرفوا".

الأسعار ترتفع دون مبرر

وابدت بصللات استغرابها من ارتفاع أسعار السلع في رمضان، فلا يوجد مبرر يستدعي هذا الارتفاع المبالغ به في الأسعار.

وفي الشأن ذاته، انتقد ابو بكر ارتفاع اسعار السلع الغذائية في رمضان لمجرد انه رمضان ليس الا، مثلا 4 كيلو من البندورة قد يكون سعرها 10 شواقل في الايام العادية، بينما في رمضان يصبح الكيلو الواحد بـ10 شواقل.

وأضاف أبو بكر  ان هذا الارتفاع في الأسعار لا تبرير له، فلا يوجد ظروف جوية ولا غيره تستدعي ذلك غالبا، انما ان هناك بعض التجار الجشعين يكرسون اهتمامهم خلال الشهر الفضيل لتحقيق أقصى حد من المكاسب باعتبار رمضان مناسبة للتسوق والاستهلاك.

زيادة في الاستيراد

ومن حيث ميزان الاستيراد والتصدير في رمضان؛ قال ابو بكر إن معدلات الاستيراد تزداد، وذلك كون الأصناف المطلوبة في رمضان معظمها لا يتم انتاجها محليا، فنحن نشتري التمر الهندي والجوز واللوز وغيرها من الاصناف، ما يدفع نحو توفير هذه المنتجات، والتي هي مستوردة في معظمها، باستثناء التمور التي كنا نشتريها من اسرائيل ثم أصبح لدينا امكانية اكبر لتوفيرها.

يضيف أبو بكر "هذه الأصناف واستهلاكها بشكل غير معتدل يدفع نحو ارهاق خزينة الدولة بزيادة الاستيراد وارهاق خزينة الأسر بزيادة الاستهلاك، وخاصة ذات الدخل المحدود او المتوسط منها".

واشار عبد الرحمن الى أن رمضان يدفع نحو زيادة الانتاج، وكلما زاد الاستهلاك المحلي زاد الانتاج، ما يساهم في تحريك عجلة الانتاج في السوق، ويحرك ايضا من حركة الاستيراد.

ويبلغ حجم الاستيراد الفلسطيني من 4.5-5 مليار دولار سنويا. والتصدير 700 مليون دولار سنويا فقط، بعجز في الميزان التجاري قدره 3,7-5.5  مليار دولار.

تشجيع الاقتصاد المنزلي

ودعا ابو بكر إلى تشجيع الاقتصاد المنزلي واعداد بعض اصناف الحلويات والمأكولات في المنزل، لتخفيض التكاليف على الأسر.

وطالب بالمحافظة على خصوصية شهر رمضان كونه شهر تكافل اجتماعي وشهر تغيير، وليس شهرا للتبذير والاسراف والتسوق بشراهة، فهذه امراض اقتصادية، خاصة عندما نرى تكدس الناس امام محال المكسرات وما شابه خلال رمضان، وهي ليست من اساسيات الصيام.

طرق العرض تستفز رغبة المستهلك

كما نوهت بصلات الى طريقة عرض المنتجات خلال رمضان، والتي تحفز الناس على الاستهلاك، فطريقة العرض الجذابة خلال رمضان لا نراها بالايام العادية، وترتيب الخضار والفواكه وانتشار الحلويات والمشروبات والعصائر والمكسرات وغيره.. اذا ما تجولنا بالسوق فلن تكون بتلك الجاذبية والكثافة التي تثير رغبة شرائها، رغم اننا نأكل طول العام لكن لا نراها بهذا الترتيب والكثافة والأسلوب المميز للعرض.

ودعت بصلات إلى عرض هذه المنتجات بشكل جذاب طوال العام، حتى تصبح مألوفة وعادية، وبالتالي يقل الاستهلاك لهذه الاصناف ويتم حفظ الصحة اضافة الى المال.

كما طالبت بعدم احتكار سلع معينة في رمضان، مؤكدا اهمية تغليف المنتجات الغذائية بشكل لائق وجذاب خلال الأشهر العادية الأخرى.

ضرورة الرقابة 

وأكدت بصلات ضرورة الرقابة على الأسعار في السوق، وعدم السماح بتجاوز الحد العادي لها الا اذا كان هناك مبرر منطقي يستدعي ذلك.

البائع ابو احمد برر ارتفاع الاسعار بالإقبال الشديد من الزبائن على الشراء، حيث ترتفع نسبة الاستهلاك خلال شهر رمضان لمعدلات تصل إلى 150 % على الاقل مقارنة مع  معدلات الاستهلاك خلال الشهور العادية.

ورأى ابو احمد ان الناس ينقصها الوعي الاستهلاكي، فالبضائع موجودة دائما ولا يوجد ما يدفع نحو شراء كميات كبيرة وتخزينها في المنزل وتعريض جزء كبير منها للتلف احيانا.

ورأت بصلات ان هناك ضرورة لتفعيل دور المؤسسات الأهلية المعنية بحماية المستهلك، وهي التي لا تحظى بأي صلاحيات في جميع البلاد العربية، بالإضافة إلى قلة عدد المتطوعين لخدمة هذا العمل الذي يعود بالنفع على المجتمع بأسره.

واشار ابو بكر الى أهمية تقنين الاستهلاك وخاصة مع تراجع القيمة الشرائية وحالة التضخم التي ارهقت الناس.

كما دعا التجار لعدم استغلال حاجة الناس لبعض السلع برفع سعرها، فهو شهر الطاعات والاحساس بالاسر الفقيرة والمحتاجة.

 الأكل الكثير يفسد فوائد الصيام

وأشارت اخصائية التغذية آثار العجولي الى عدم حاجة الجسم في رمضان لكميات كبيرة من الأغذية، فالمطلوب فقط هو التنوع في الأغذية لتوفير جميع العناصر الغذائية اللازمة، وقالت ان الكميات الكبيرة من الطعام والحلويات تؤدي لمشاكل صحية منها زيادة الوزن وعسر الهضم والامساك، في الوقت الذي وجب علينا الصيام للاستفادة منه صحيا كما أثبتت الأبحاث والدراسات العلمية.

اما نصائحها للصائمين فهي أن تكون وجبة الافطار خفيفة ومنظمة، اي نبدأ بالشوربات والسلطات ثم نتناول الوجبة الرئيسية. وبعد ذلك اذا رغبنا بوجبة خفيفة او مسليات صحية كالفواكه، مع ضرورة توزيع شرب الماء حتى لا يصاب الصائم بالجفاف والامساك.

اما عن الحلويات، فحذرت العجولي من الافراط في تناولها، ناصحة باختيار يومين بالاسبوع لتناول الحلويات وبكميات معقولة، اي قطعة حلو واحدة تكفي.

وعند السحور ، نوهت عجولي لاهمية تناول المواد الغذائية التي تحتوي البروتينات، والتي تدوم أكثر في المعدة، مثل البيض والعدس والفول والسمك.

وأكدت عجولي أن العادات الغذائية السيئة في الكم والكيف وقلة الحركة وكثرة النوم، تسبب الخمول فالحركة والنشاط وعدم الاكثار من تناول الطعام تؤدي لاهدار الانسان لصحته وماله بنفس الوقت.