الغباء العربي الاقتصادي / بقلم د. فريد نعيم المحاريق

تاريخ النشر: 2015-02-08


بقلم: د. فريد نعيم المحاريق
بعد هبوط اسعار النفط بشكل كبير وبعد معرفة ان اسباب هبوط النفط ليست اقتصادية محضة بل سياسيه بالدرجة الاولى , لا بد لنا الان ان نعرف هل ستستفيد دول الخليج سياسيا من هذا الهبوط ؟ و هل تستطيع ان تتحمل دول الخليج هذا الهبوط ؟ و هل هناك رؤية اقتصادية حقيقية من وراء هذا القرار السياسي ام انه غباء اقتصادي عربي بحت ؟
 
بعد ان عقدت منظمة اوبك اجتماعها الاخير بخصوص هبوط اسعار النفط فقد اتخذت اوبك قرار هو عدم تخفيض كمية تصدير النفط كي تستطيع الحفاظ على سعر النفط والذي يجب ان يكون 100 دولار للبرميل ,  إذ دافعت دول من أمثال فنزويلا وإكوادور عن التقليص لوقف هبوط سعر الخام الذي يضر بإيراداتها ، في المقابل رفضت دول الخليج العربية - وعلى رأسها السعودية أكبر مصدر للخام في العالم - الدعوة إلى خفض الإنتاج إلا إذا ضمنت حصتها من الأسواق.
 
ان الهدف من انخفاض اسعار النفط هو اضعاف روسيا و ايران , و ذلك كي تعدل هذه الدول عن بعض سياساتها , فمع بدء الانخفاض و استمراره كانت روسيا و ايران اول الدول المتأثرة بسبب الانخفاض , فمع استمرار هبوط اسعار النفط فان الاقتصاد الروسي سينكمش بنسبه 4.8 % عام 2015 و تم تهبيط تصنيف روسيا الائتماني و تدني العمله الروسية   , اما ايران فمن المتوقع ان تمنى بعجز مالي يقدر 8.6 مليار دولار .
 
كثير من المحللين كتبوا حول هذا و قللوا من اهمية ان تتضرر دول الخليج اقتصاديا كونها تمتلك فائض مالي في خزينتها , كما تحدث البعض عن ان تكلفه برميل النفط تساوي 5 دولارات فقط و ان الانخفاض لا يؤثر على الدول المصدرة للنفط , نعم صحيح انا اتفق مع هذا التحليل و لكن يجب ان لا نقف حد هذا التحليل , يجب علينا ايضا ان نحلل كميه الواردات للدول و كميه انفاقها و النظر الي الموازنة السنوية للدول لمعرفه ما سينتج عن ذلك , كما يجب ان نعرف ان اتخاذ مثل هذا القرار هو اقتصادي مفيد ام يضر بدول الخليج اكثر من الدول المستهدفه .
 
مع نهاية كل عام و بداية كل عام تعمل الدول على وضع ميزانياتها وفق ما تتوقعه من ايراداتها لاستكمال التنمية الاقتصادية لديها , سنبدأ اولا بتحليل ايرادات و ميزانية دوله الكويت، حيث بلغت الميزانية العامة للكويت  20 مليارا و690 مليون دينار كويتي ، وسجلت الايرادات النفطية بنسبة 94% من جملة الإيرادات ، بينما بلغت تقديرات الإيرادات غير النفطية بنسبة 6%. , وقدرت الميزانية على أساس 75 دولارا للبرميل وحجم إنتاج 2.7 مليون برميل يوميا للعام 2015 و من المتوقع ان تشهد الكويت عجزا ماليا يقدر 10 مليار دولار .
 
اما بالنسبة للسعودية حيث قدرت الميزانية الفعلية لعام 2014 ومقارنة مع الأرقام التي كانت متوقعة نفقات بتريليون و100 مليار ريال، وذلك بزيادة 29% عن ما كان متوقعاً. وبلغت الإيرادات تريليونا و40 مليار ريال بزيادة 22% عن ما كان متوقعاً ، وبتسجيل عجز قدر بـ54 مليار ريال. حيث شهدت الموازنة أيضاً انخفاضاً إلى 44 مليار ريال يمثل 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية 2014. أي حدث العجز بعد انخفاض اسعار النفط , أي من الربع الرابع من ميزانية الدوله.
 
اما بخصوص قطر فمن المتوقع أن تعد قطر ميزانيتها للعام المالي 2015 على اساس سعر مفترض للنفط قدره 45 دولارا للبرميل إنخفاضا من 65 دولارا في ميزانية العام 2014. ان ميزانية هذا العام تفترض سعرا قدره 45 دولارا لبرميل النفط.. وهو سعر متحفظ وسيساعد في الحفاظ على النمو." وربما تكون قطر أقل الدول الخليجية تضررا. فرغم أنها منتج كبير للنفط إلا أن ارتباط إيرادات صادراتها من الغاز الطبيعي بالنفط ضعيف.
 
اما بالنسبة لسلطنه عمان فان ميزانية البلاد لعام 2015 تتضمن زيادة في الانفاق على حساب عجز كبير متوقع بسبب انخفاض أسعار النفط ومن المتوقع أن تبلغ الإيرادات 11.6 مليار ريال بانخفاض 1 بالمئة ليبلغ العجز المتوقع 2.5 مليار ريال أي ما يعادل 8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي للسلطنة.
 
أن تمسك دول كالسعودية بحصتها في سوق إنتاج النفط ، سيؤثر في المقام الأول على اقتصاد المملكة ، لأن بيع هذا الكم من الإنتاج بهذا السعر المتدني ، يعني فقدانها كمّا هائلا من احتياطاتها النفطية , بالإضافة الى ان السعودية و غيرها من الدول المصدره للنفط سوف تتأثر مشاريعها التنموية  و تقل كميه الارادات و زيادة في العجز في ميزانياتها , فبدلا من هدر النفط باسعار قليله و انفاق ما في خزينتها على المشاريع , فان  الاولى لها بتقليص كميه الصادرات من النفط , و ذلك لان اقتصاد دول الخليج يعتمد 90 %  على الواردات بينما روسيا و ايران لا يعتمدان على النفط فقط , فمثلا روسيا تعتمد على الدخل بنسبه 40% من النفط اما الباقي فيعتمد على قطاعات اخرى و اهمها الصناعه و الزراعه , بعكس دول الخليج .
 
ونظرا للتركيبة الهيكلية للاقتصاد السعودي بشكل خاص والخليجي بشكل عام ، فإنه من المؤكد حدوث تراجع ملموس في النشاط الاقتصادي بشكل عام ، سواء للقطاع العام أو الخاص ، ومن المتوقع تراجع معدل النمو عن مساره المتوسط خلال السنوات القادمة بفعل عدة عوامل أهمها انخفاض الإنفاق العام ، وانخفاض القيمة المضافة في القطاع النفطي ، أهم قطاعات الاقتصاد الوطني ، وتراجع القيمة المضافة للقطاع الخاص نتيجة انخفاض الإنفاق الحكومي.
 
ان استمرار دول الخليج على هذا النحو سيضر بالدرجة الاولى اقتصادها ولا يمكن تسميه السياسات النفطية الخليجيه سوى بالغباء الاقتصادي , كونها تهدر ثرواتها و تضر بمشاريعها و نموها الاقتصادي , و سيستفيد من مثل هذا القرار الدول الصناعية و الدول الناشئة مثل اوروبا و الصين و اسرائيل , فأوروبا اخفضت من اسعار المحروقات لديها بما يتناسب مع اسعار النفط و اصبح لدى المواطن الاوروبي هذا ملموسا و سيساعد الاقتصاد الاوروبي على التعافي , اما بالنسبة للصين فهذا يفتح شهيتها على الاستيراد و استغلال انخفاض النفط و على رفع مستوى المخزون النفطي لديها , اما بخصوص اسرائيل فان اسرائيل ايضا تستغل الحدث , فقبل الحرب على غزة كان الاقتصاد الاسرائيلي يتباطأ و بعد الحرب ازداد الوضع سوءا , فمع انخفاض اسعار النفط استغلت اسرائيل الحدث و اخفضت من اسعار المحروقات , و لكن كما يبدو ان انخفاض اسعار المحروقات في اسرائيل لا يتطابق مع انخفاض اسعار النفط , تعمد اسرائيل من خلال ذلك على تقليص العجز في الخزينة لديها و خصوصا انها تمتلك سوقين , السوق الاسرائيلي و السوق الفلسطيني , كون الفلسطينيين يحصلون على النفط عبر اسرائيل وهي من تتحكم بالتسعيرة .
 
ان مثل هذا الغباء الاقتصادي العربي قد حدث بالسابق فمع نظام حسني مبارك حدث مثل هذا الغباء , اتفاقية تصدير الغاز المصري لإسرائيل هي اتفاقية وقعتها الحكومة المصرية عام  2005 مع إسرائيل تقضي بالتصدير إليها 1.7 مليار متر مكعب سنويا من الغاز الطبيعي لمدة 20 عاما ، بثمن يتراوح بين 70 سنتا و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية بينما يصل سعر التكلفة 2.65 دولار ، كما حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من عام 2005 إلى عام 2008 , و العجيب ليس فقط هذا بل ازداد الغباء كون ان مصر لا تستطيع في الاونة الاخيرة تلبية احتياجات السوق المصري من الغاز لأنها تلتزم بالاتفاقيات , بل قامت سلطة الطاقة المصرية بتوقيع اتفاق اخر مع اسرائيل تقوم بموجبه مصر باستيراد الغاز من اسرائيل كي تلبي احتياجاتها .
 
ان ما تشهده المملكة العربية السعودية من تغيرات حدثت بتولي الملك  سلمان بن عبد العزيز و اصدارة مراسيم ملاكيه و اهمها انشاء مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية قد يغير من سياسات المملكه النفطية والتطلع الى مصالح الخليج بالمرتبة الاولى , و ان يتم التعاطي مع الدول على اساس ما فيه خيرا للأمتين الاسلامية و العربية .
 
*دكتوراة في الاقتصاد الدولي