الازدواجية في تطبيق اتفاقية باريس / بقلم د. فريد نعيم المحاريق

تاريخ النشر: 2015-02-18


بقلم: د. فريد نعيم المحاريق
 
يتكبل الاقتصاد الفلسطيني بقيود الاحتلال الاسرائيلي والاتفاقيات المبرمة معه ويتعقد وضعه مع تزايد تعقيدات الوضع السياسي الجاثم على صدر الاقتصاد الناشئ والهش, وخاصة في قطاع غزة الذي يواجه تحديات كبيرة أهمها الحصار المتحكم في جميع مناحي الحياة فيه, إلى جانب قلة الفرص المتاحة أمامه للنهوض باقتصاده ما لم تتحقق اختراقات سياسية تؤدي لانفراجه حقيقية.
 
رغم التهديد والضغط من قبل أمريكا وإسرائيل على القيادة الفلسطينية بعدم الذهاب إلى أروقه مجلس الأمن وتقديم مشروع إنهاء آخر احتلال في العالم وحق الشعب الفلسطيني كباقي شعوب العالم بالعيش بحريه, وكان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قد كثف جهوده في إقناع دول الأعضاء في أوروبا والعالم بأن تمرير مشروع فلسطيني عربي إلى مجلس الأمن هو أحادي الجانب وله أبعاده السياسية الخطيرة, ورغم التهديد بقطع المساعدات المالية ومحاصره السلطة، غير أن القيادة قررت الذهاب إلى مجلس الأمن ووضع العالم أمام مسؤولياتهم الأخلاقية, وبعد الفشل في التصويت وقعت القيادة على الانضمام إلى أكثر من 20 منظمه دولية  ومن أهمها محكمه الجنايات الدولية, و كان أول قرار وأول رد اتخذته اسرائيل ضد الفلسطينيين هو تجميد عائدات الضرائب. 

إن  استمرار إسرائيل في احتجاز أموال الضرائب مخالفة واضحة لاتفاقية باريس الاقتصادية، واستمرار حجز عائدات الضرائب  الذي تمارسه إسرائيل وعدم تطبيقها للاتفاقية التي لم تعط إسرائيل الحق في إيقاف تحويل عائدات الضرائب  هي مخالفة واضحة لاتفاقية (باريس) ,  أما عندما يتعلق الموضوع بالأموال التي تقتطع نسبة 30 في المائة منها لنفسها( أي اسرائيل) نظير جبايتها فهنا اسرائيل تلتزم بهذا بل و حتى لا يمكن الحديث معها حول هذه النسبة, والمفارقة هي أنه عندما تجمد اسرائيل تحويل الأموال تتواصل التجارة بين اسرائيل و فلسطين بالعمل كالمعتاد. ففلسطين تستورد من اسرائيل 72 % من سلعها الاستهلاكية، أي أنها تشتري حوالي 4 مليارات دولار في السنة من اسرائيل وتصدر اليها حوالي 750 مليون دولار, وبذلك فإن المنتجين ومقدمي الخدمات الاسرائيليين يستمتعون بالسوق الفلسطينية بحجم كبير كهذا، أي حوالي ثلاثة أضعاف مما يستمتع به الفلسطينيون من السوق الاسرائيلية. 

وبذلك فإنه ما زالت بيد السلطة الفلسطينية أوراق ضغط اقتصادية ايضا ليست قليلة لتضغط بها على الصناعيين الاسرائيليين، بل ولتفرض عليهم عقوبات ردا على العقوبات التي فرضتها اسرائيل على السلطة, و كان هناك تلميح من وزارة الاقتصاد الفلسطينية بهذا الخصوص ففي حال تعنتت اسرائيل يجب على السلطة استخدام هذه الورقه والضغط على اسرائيل ايضا اقتصاديا , لأنه  وبسبب حجز أموال الضرائب فإن أول من سيتأثر بعمليه حجز أموال الضرائب بالدرجة الأولى هو المواطن وذلك لأن الحكومة لن تستطيع الالتزام بواجباتها أمام الموظفين بدفع رواتبهم  وبالتالي ستتأثر القدرة الشرائية لدى المواطن الفلسطيني.

إن مثل هذه الخطوة تحتاج إلى قرار سياسي قوي, وكما عهدنا وشاهدنا فإن السلطة تستطيع أخذ مثل هذا القرار, و لكن يترتب على مثل هذا القرار آثار سلبية وايجابية,  الآثار الايجابية تتمثل ليس بالضغط على اسرائيل اقتصاديا فحسب بل تمنح الصناعات الفلسطينية بالعمل بكل طاقاتها, وامكانية ايجاد فرص عمل جديدة, وايضا تحسين قطاع الزراعة واستغلالها بشكل أكبر لتلبية احتياجات السوق الفلسطينية, وإن لم تستطع الصناعات الفلسطينية تلبية حاجات السوق الداخلي يمكن اللجوء إلى أسواق دول أخرى ويفضل ان تكون من الدول العربية الخليجية أو الاردن  وتركيا والصين وذلك بتوقيع بعض الاتفاقيات وامكانية حصول تبادل تجاري بينهما, و هذا قد يساعد بعض دول الخليج بتقديم مساعدات للفلسطينيين لحل مشكلة رواتب الموظفين, و تكون العلاقة بينهما على أساس الاستفادة بين الطرفين وليس فقط على أساس الحصول على أموال من دول الخليج دون مقابل  إذ يمكن الاستيراد والتصدير إليها, فعلى جميع الأصعدة نحن لا نستطيع الحصول على عائدات الضرائب من اسرائيل، فليكن الاستيراد من خارج اسرائيل وهذا سيشكل عامل ضغط على أصحاب الصناعات الاسرائيلية وخصوصا أن السوق الفلسطيني يّعدّ سوقا كبيرا للصادرات الاسرائيلية, ونستطيع تطبيق مقاطعة المنتجات الاسرائيلية بشكل أكبر ودعم المنتجات الفلسطينية وتحسين دورها ورفع مستوى جودة الصناعات الفلسطينية.

أما بالنسبة للإضرار ستكون بالدرجة الأولى هي ارتفاع نسبة التضخم وارتفاع الأسعار بالأسواق الفلسطينية إلى أرقام قد لا يحتملها المواطن الفلسطيني وخصوصا أنه لا يوجد رواتب للعاملين ويتم استغلال ايقاف الصناعات الاسرائيلية من بعض التجار الفلسطينيين, يمكن حدوث هذه الأزمة بالمراحل الأولى إذا كان هناك خطة مدروسة يمكن تطبيقها ومن ضمنها هو الحصول على مساعدات مالية أو الحصول على قرض من بعض الدول العربية أو دعم مالي من أجل دفع رواتب الموظفين. 

ولكن زيادة على الاعتبارات التى ذكرناها فالعجب هو أنه ماذا ستحقق اسرائيل من خطوات غير قانونية كهذه؟ لا سيما أن مثل هذه الخطوات قد جربت في الماضي، مرة في 2012 عندما توجهت السلطة إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة وحظيت بالاعتراف كدولة غير عضو، ومرة أخرى في 2011 كعقاب على اتفاق المصالحة مع حماس. وفي الحالتين لم تتسبب هذه العقوبات في تغيير سياسات السلطة الفلسطينية. والآن سيكون ذلك خطأ كبير فن تتراجع السلطة الفلسطينية عن استراتيجية النضال الدبلوماسي, وخصوصا إذا وجدت السلطة الدعم المالي من الدول العربية.

*مختص في الاقتصاد الدولي.