تأمين المركبات تنافس على المخاطرة

تاريخ النشر: 2015-06-21


 


رام الله-غزة-الاقتصادي- أقرت هيئة سوق رأس في عام 2008 وهي الجهة الرقابية والمنظمة لقطاع التأمين في فلسطين تعرفة خاصة بالتأمين على المركبات (حد ادنى) ودعت شركات التأمين إلى الالتزام بها، غير أن السوق شهدت احتداما في المنافسة بين الشركات على أسعار أقساط تأمين المركبات، ما جعل المراقبين يدقون جرس الإنذار خشية من تعرض شركات عاملة في القطاع لانتكاسة حقيقية كون أن النزول عن تعرفة الحد الأدنى المقرة من قبل هيئة سوق رأس المال يعني بالضرورة مقامرة غير محسوبة وتعرض الشركات للخطر، فعدم الالتزام بتسعيرة الحد الأدنى في تأمين المركبات الذي تشكل ما نسبته 60% من حجم التأمينات الكلية في فلسطين سيترك آثارا سلبية أبرزها عدم تمكن الشركات من الوفاء بالتزامتها تجاه المؤمين، ما جعل المختصين يشددون على ضرورة محاربة الظاهرة.

لماذا الحد الأدنى في تأمين المركبات؟
يؤكد وضاح الخطيب مدير عام شركة فلسطين للتأمين-ومدير عام الإدارة العامة للتأمين سابقا أن فلسطين تعتبر الدولة العربية الوحيدة التي وضعت حدا أدنى لتعرفة (قسط) تأمين المركبات، منوها إلى أن الدول العربية قاطبة اعتمدت احدى طريقتين في التسعير: إما وضعت الحد الأعلى للقسط أو أنها وضعت قسطا محددا للتأمين وألزمت مختلف الشركات بها.

ويضيف" في فلسطين اعتمد الحد الأدنى بمعنى ان هيئة سوق رأس المال تركت لكل شركة تأمين أن تحدد سياسة اكتتابها وأن تحدد قيمة الخطر وبالتالي تحديد القسط الملائم لهذا الخطر ( تأمين المركبات)، على الا يقل عن الحد الادنى الوارد في نظام رقم (10 سنة 2008) والذي اعدته الهيئة واصدره مجلس الوزراء".
ويرى الخطيب أن رؤية الهيئة لتحديد الحد الأدنى جاءت بهدف الحفاظ على مصالح المؤمن لهم وعلى شركات التأمين نفسها، مؤكدا أن هيئة سوق رأس المال أجرت دراسة اكتوارية لتحديد مدى كفاية الاقساط فتبين لها أن الحد الادنى الوارد في النظام المشار له غير كاف، وبالتالي من المفترض ان تقوم الشركات ببيع تأمين المركبات بقسط أعلى من الحد الأدنى الذي تم تحديده في النظام.

وأكد أن الشركات العاملة في السوق الفلسطينية تنتهج سياسة المنافسة القائمة على تخفيض الأسعار، منوها إلى أن ذلك يلحق الضرر الشديد بقطاع التأمين الفلسطيني وسيؤدي حتما لإضعاف هذه الصناعة في بلادنا وإلى تعثر هذه الشركات على الوفاء بالتزاماتها تجاه المؤن عليهم أو المستفيدين من وثائق التأمين.

فقدان نحو 20 مليون دولار
يؤكد تحسين الحمود نائب المدير العام للشؤون التنفيذية للشركة العالمية المتحدة للتأمين أن شركات التأمين العاملة في فلسطين تنزل بأسعار تأمين المركبات بنسبة 10-20% عن التعرفة المحددة من قبل هيئة سوق رأس المال ما يعني أن الشركات تفقد نحو 20 مليون دولار من إجمالي المحفظة التأمينية في فلسطين والمقدرة بنحو 150 مليون دولار جراء عدم التزامها بالتعرفة الرسمية. ويضيف" هذه الاقساط المفقودة هي أرباح محققة لشركات التأمين حيث ان الشركات تغطي نفس الأخطار سواء بالتعرفة الصحيحة أو التعرفة المخصومة عليها".

ويقول الحمود" الشركات لا تلتزم بالحد الأدنى للتعرفة المقرة من قبل هيئة سوق رأس المال بشكل واضح للجميع وعلى معرفة من الهيئة نفسها"، مرجعا لجوء الشركات إلى سياسة تخفيض الاسعار لأكثر من سبب:أولا: الوضع الاقتصادي السيء الذي تعيشه فلسطين يدفع الشركات إلى تلبية رغبات الزبائن في أسعار أقل، وثانيا: وجود شركات في السوق تضطر إلى النزول في الأسعار من أجل الحصول على زبائن، وهذا ما يحرج الشركات القوية التي تضطر بدورها إلى مجاراة الشركات الضعيفة بالنزول في الأسعار، وثالثا: افتقاد الثقة بين شركات التأمين. ويشير الحمود إلى أن الشركات اتفقت عدة مرات على احترام التعرفة الرسمية لتأمين المركبات لكنها سرعان ما تعود لتتنصل مما يتم الاتفاق عليه. وحمل الحمود شركات التأمين نفسها مسؤولية عدم الالتزام بالتعرفة قائلا إن هيئة سوق رأس المال حاولت مرارا الزام الشركات بالتعرفة من خلال عدة اجراءات من بينها فرض رقابة شديدة وغرامات على الشركات المخالفة، لكن للاسف الشركات نفسها لا تحترم التشريعات والتعليمات الصادرة عن الهيئة.

منافسة كبيرة..وسوق صغيرة
وأكد مريد شراب من شركة المجموعة الأهلية للتأمين عدم رضاه عن واقع شركات التأمين العاملة في الأراضي الفلسطينية حيث المنافسة الكبيرة، مشيرا إلى وجود إشكالية في آلية تطبيق قانون التأمينات وعدم وجود وعي كاف حول التأمينات وأنواعها وفوائدها.

ولفت إلى أن تأمين المركبات هي أكثر الأنواع شيوعاً في العالم، باعتبار أن هذا النوع من التأمين يفرضه القانون ويلزم به أصحاب كل مركبة تتحرك على الطرق، منوها إلى أن هذا النوع من التأمين يغطي الاصابات الجسدية التي قد تحدث لركاب المركبة أو للغير نتيجة حادث سير للمركبة.

60% من حجم التامينات الكلية
من جانبه، يؤكد احمد مشعشع المدير العام لشركة التأمين الوطنية أن سوق التأمين في فلسطين صغيرة ما يتسبب في زيادة حدة المنافسة بين الشركات العاملة في القطاع، مشيرا إلى أن حجم سوق التأمين في فلسطين لا يتجاوز حجمه 150 مليون دولار أمريكي.

وقال" يشكل تأمين المركبات حوالي 60% من حجم التأمينات الكلية والتأمين الصحي حوالي 15% ، الأمر الذي يعني أن التأمينات الأخرى بجميع أنواعها سواء تأمينات حياة أو تأمينات حريق أو مسؤوليات أو تأمينات إصابات عمل أو تأمينات بحري أو تأمينات حريق وحوادث عامة لا يتجاوز حجمها 25% من حجم السوق أي اقل من 40 مليون دولار".

وأضاف" إذا أخذنا بعين الاعتبار أن عدد شركات التأمين العاملة والمرخصة في السوق هو عشر شركات، فهذا يعني أن متوسط الإنتاج لكل شركة لجميع أنواع التأمين لا يتجاوز 15 مليون دولار، يشكل تأميني المركبات الصحي 75% منها".

صغر السوق يشعل المنافسة
وبخصوص إذا ما كانت ظاهرة التنافس في الأسعار بين الشركات تعد واحدة من النتائج لصغر السوق، يقول مشعشع"هذا صحيح، فنظراً لصغر حجم السوق وكبر عدد شركات التأمين العاملة في السوق، وسعي كل شركة من الشركات لزيادة حصتها من السوق فإن أسهل وسيلة لذلك هي النزول بالأسعار إلى مستويات غير اقتصادية بهدف الحصول على الأعمال"، منوها إلى أن النزول بالأسعار له أثران سلبيان كبيران، الأول هو انخفاض نسبة الأرباح وتحقيق خسارة في كثير من الحالات، والثاني صغر حجم السوق، فعندما تنزل الأسعار، فإن أي زيادة في حجم الأعمال في السوق يتم استنزافها بالتخفيضات التي تتم على الأسعار نتيجة المنافسة مما يفاقم من مشكلة شركات التأمين ويجعل الاستثمار فيها غير مجز.

من جانبه، يعزو المحامي زهير عيد المختص في قضايا التأمين وجود اختلاف في أسعار تأمينات السيارات بين الشركات إلى عدم وجود تنافس بين شركات التأمين العاملة في قطاع غزة بشكل واضح وملفت للنظر مقارنة مع الوضع في الضفة الغربية أو الدول المجاورة.

وعن سبب وجود منافسة كبيرة تصل أحيانا إلى مرحلة النزول بالأسعار عن الحد الأدنى بالنسبة لتأمينات السيارات، قال إن هذه المنافسة موجودة في غزة أكثر من الضفة الغربية والبلدان المجاورة.

وأضاف: لا يوجد هناك فرق شاسع في قسط التأمين على المركبات لأن المشكلة عندنا فقط".

شركة جديدة في غزة تهبط بالأسعار
وأشار عيد إلى أنه ومنذ انطلاق شركة الملتزم للاستثمار م. ع .م في غزة أصبح القسط التأميني للمركبات بأدنى مستوى، وذلك لأن هذه الشركة لا تدفع نسبة 15% للصندوق الفلسطيني لتعويض مصابي حوادث الطرق ونسبة الـ 3% لهيئة سوق رأس المال وذلك لأنها شركة غير مرخصة خلافا للشركات الاخرى.

من جهته ، قال المحلل الاقتصادي معين رجب إن تفاوت الأسعار من شركة تأمين إلى أخرى هو شكل من أشكال المنافسة لأنها شركات قطاع خاص تعمل على تحقيق الربح المأمول، ومن هنا تنشأ منافسة حادة بخاصة في ظل صغر السوق، لافتا إلى أن الحكومة لا تستطيع أن تضع ضوابط لهذا الأمر.

لا مستفيد من اختراق التعرفة
يؤكد نهاد محمد أسعد الأمين العام للاتحاد الفلسطيني لشركات التأمين، أن النزول في الأسعار لا يخدم أحدا سواء شركات التأمين أم الزبائن، مشيرا إلى أن سياسة تخفيض الأسعار ستؤثر على أداء شركات التأمين من ناحية، وسيضعها في موقف مالي صعب من ناحية ثانية، الأمر الذي سيصعب عليها الوفاء بالتزاماتها فيما يتعلق بتغطية الحوادث. وأضاف "هذه السياسة ستعود بالضرر على الزبائن كذلك لأن توفير جزء يسير من القسط يعني بالضرورة خسائر كبيرة في التعويض في حال عدم وفاء الشركات بالتزاماتها".

ويؤكد أسعد أن لجوء الشركات إلى تخفيض الأسعار يفرض تحديا صعبا على هيئة سوق رأس المال باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنظيم قطاع التأمين في فلسطين وكذلك على جميع الجهات والأجسام الممثلة لقطاع التأمين بما فيها الاتحاد الفلسطيني لشركات التأمين، قائلا إن الهيئة مدعوة لاتخاذ خطوات توعية وعقابية في آن للحد من الظاهرة.

ودعا شركات التأمين إلى التركيز في المنافسة على أساس الخدمة وليس على السعر، بالرغم من صعوبة ذلك في مجتمعنا، كون أن التجربة أثبتت أن الزبائن في فلسطين يهتمون بالأسعار أكثر من الخدمة نظرا للأوضاع الاقتصادية الصعبة وهذا يشكل تحديا كبيرا للشركات، مؤكدا أن طريق نجاح الشركات يتطلب بالضرورة التركيز على الخدمة وليس النزول بالأسعار.

ما المطلوب؟
ويقر المختصون بضرورة اتخاذ اجراءات جديدة للحفاظ على مكانة شركات التأمين وتقوية مساهمتها في الاقتصاد الوطني من خلال عدة اجراءات فاعلة.

وطالب شعشع هيئة سوق رأس المال بالزام الشركات بتسعيرة الحد الأدنى في تأمين المركبات، داعيا إلى ضرورة تعزيز ثقافة الوعي التأميني وحماية الشركات من خطر الدخول في منافسة من هذا القبيل لأن ذلك سيؤثر حتما على مستوى الخدمات المقدمة للمؤمن لهم.

ويقول الخطيب" يلاحظ انه في دول عربية اخرى تطالب شركات التأمين الجهات المشرفة للموافقة لها على رفع اقساط التامين لتتلاءم مع حجم المخاطر المترتبة على بوالص التأمين"، منوها إلى أن شركات التأمين في فلسطين لديها التزامات إضافية فرضها قانون التأمين الفلسطيني على شركات التأمين من حيث حجم التعويضات ونوع المسؤولية انفردت بها عن كافة قوانين التأمين في العالم العربي . ويضيف" لا يوجد سقف محدد لحجم التعويضات الجسدية في فلسطين بالإضافة إلى نظام المسؤولية المطلقة، وبالتالي اذا كان وقع حادث سير ناجم عن خطأ ارتكبه السائق وادى الى الحاق خسائر جسدية بركاب المركبة او بمشاة خارجها تتحمل شركة التاأمين كامل التعويضات عن هؤلاء المتضررين".

وطالب بالعمل على رفع الوعي لدى القائمين على صناعة التأمين والعاملين في شركاتها بأسس الخطر وادارة الخطر، منوها إلى أن عدم التزام شركات التأمين بالتعرفة سيؤدي الى ممطالة في تسديد الالتزامات ، داعيا مدراء عامي شركات التأمين إلى الالتزام بالحد الأدنى من التعرفة.
بدوره، أكد الحمود ضرورة الالتزام بالتشريعات والتعليمات الصادرة عن هيئة سوق رأس المال-دائرة الرقابة على التأمين وأن تتعامل الشركات بمهنية أكبر لأن الاخطار المؤمنة كبيرة جدا خاصة فيما يتعلق بالسيارات، مؤكدا ضرورة تقوية اواصر الثقة بين شركات التأمين وعقد اجتماعات للادارات العليا فيها لتدارس مصالح الشركات وحماية قطاع التأمين من المخاطر المتربة على مسألة النزول بالأسعار عن الحد الأدنى.

هيئة سوق رأس المال تقر معايير جديدة
يشير رئيس مجلس إدارة هيئة سوق رأس المال ماهر المصري إلى أن الهيئة أقرت تعرفة تأمين المركبات بحدها الأدنى حرصا منها على حماية قطاع التأمين والشركات العاملة فيه من المخاطر وتركت الباب مشرعا للشركات بخصوص القيمة الأعلى لقسط التأمينات الخاصة بالسيارات، مؤكدا أن الشركات وخلال السنوات الماضية كانت تنزل بالأسعار عن الحد الأدنى الذي اقرته الهيئة ما تسبب في اشكاليات عدة للشركات.

ونوه إلى أن هذا الوضوع بات يشكل مشكلة كبيرة لأنه كان على الهيئة أن تقوم بالتفتيش الدائم على الشركات للتأكد من مدى التزامها بالتعرفة.

وأوضح المصري أنه الهيئة وضعت خلال النصف الثاني من العام الماضي معايير جديدة من أجل الرقابة على الشركات والتأكد من التزامها بها، مشيرا إلى أن هذه المعايير تشمل التأكد من مواءمة السيولة النقدية للشركات مقابل موجوداتها ، والتأكد من الملاءة المالية لها ، وحجم المطالبات من المؤمنين والمؤمن لهم للشركات، وسرعة دفع الشركات للمطالبات المتحققة عليها من المؤمن له، ونسبة تأمينات السيارات مقابل التأمينات الإجمالية للشركة، ونوعية الاستثمار في الشركات، وذلك لدفع الشركات للالتزام بالحد الأدنى للأسعار.

وتعهد المصري بأن تقوم الهيئة بمراقبة الشركات خلال العام الحالي التأكد من التزامها بالمعايير الجديدة ودفعها إلى عدم اختراق التعرفة الرسمية.