أثر جائحة كورونا على عقود الإيجار في فلسطين / بقلم المحامي حسام الشريف

image-1
تاريخ النشر: 2020-04-13


لا أود في هذا المقال الحديث عن آثار فايروس كورونا المستجد أو ما يعرف بـ (COVID-19)، على الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في فلسطين، فهناك العديد من تناولت ذلك،

تُعنى هذه المقالة بالحديث عن تأثير الظروف الحالية على قطاع الإيجار في فلسطين، في محاولة مبسطة للإجابة عن الإستفسار حول مآل دفعات الإيجار حالياً.

مما لا شك فيه أن معظم الشركات في ظل هذه الظروف المستجدة تدرس بجدية إتباع سياسات جديدة لتقليل وترشيد النفقات،ومن ضمنها الاستغناء عن كامل أو جزء من مكاتبها المستأجرة - مع التركيز على الحفاظ على العنوان- الأمر الذي سيؤثر سلباً بلا أدنى شك على قطاع التأجير العقاري.


تجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد في القانون الفلسطيني المطبق في الضفة الغربية (مجلة الأحكام العدلية) أي نص ينظم الظروف الطارئة أو القوة القاهرة، الأمر الذي يُحتم على القضاء الفلسطيني اعتمادالاجتهادات الفقهية في أحكامه،ودون الإستناد إلى نص قانوني محدد.

وبالرغم من التشابه بين الظروف الطارئة والقوة القاهرة في شروط التطبيق، إلا أن معظم الفقهاء  أجمعوا على التفريق بينهم من ناحية الآثار، إذ أن الظروف الطارئة تجعل من الإيفاء بالتزامات المدين مرهقة تلحق به خسارة فادحة،  ولا ينفسخ العقد أو ينتهي أستناداً لها، إنما يتم الموازنة بين مصلحة الطرفين من قبل المحكمة ورد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول إن اقتضت العدالة ذلك ( بمعنى يتم تعديل العقد)، على خلاف القوة القاهرة والتي تجعل تنفيذ الالتزامات مستحيلة لكلا الطرفين مما يؤدي إلى انفساخ العقد بقوة القانون، 

ومن الأمثلة على القوة القاهرة، عقد بيع  شقة سكنية هدمت كلياً بفعل زلزال أو حادث استثنائي عام، الأمر الذي يؤدي الى استحالة تنفيذ التزام البائع بتسليم الشقة للمشتري، وهنا ينفسخ العقد بقوة القانون.

أما الأمثلة على الظروف الطارئة، عقد التوريد الذي بموجبه يلتزم المُورد بتوريد بضائع إلى المشتري بقيمة معينة، إلا أن تكلفتها ارتفعت على المورد، نتيجة لحادث استثنائي عام غير متوقع، وهذا الارتفاع يلحق به خسارة فادحة، هنا يحق للقاضي تعديل العقد برفع السعر على المشتري أو تخفيض كمية البضائع التي سيتم توريدها.

بناء على ذلك، قد تنطبق النظريتين على الظروف الحالية التي تشهدها البلاد، فهناك عقود ينطبق عليها نظرية الظروف الطارئة وهناك عقود ينطبق عليها نظرية القوة القاهرة، طبقاً لأثر هذه الظروف على طبيعة التزامات المتعاقدين. 

وعوداً على موضوع المقال، أرى أن الأقرب من حيث التطبيق على عقود الإيجار هي حالة الظروف الطارئة وليس القوة القاهرة، مع الأخذ بعين الإعتبار الإشكاليات التي قد تواجه المحاكم مستقبلاً في تحقيق التوازن بين الأطراف، والتي تنبع من طبيعة عقد الإيجار باعتباره من العقود الملزمة، إذ أن كل من المؤجر والمستأجر مديناً للآخر (المستأجر مدين للمؤجر بدفع الأجرة، والمؤجر مدين للمستأجر بالسماح له الانتفاع العقار).
 
تأسيساً على ذلك، أرى أن الظروف الطارئة الحالية لا تنطبق على التزام المستأجر في دفع كامل الأجرة للمؤجر، بحجة عدم الانتفاع أو عدم الاشغال أو عدم ممارسة نشاطه الاقتصادي بسبب الظروف الحالية،وذلك لأن عدم انتفاع المستأجر بالمأجور كان نتيجة ظروف خارجية لا يد للمؤجر فيها وخارجة عن إرادته أيضاً، مع الأخذ بعين الإعتبار الانتفاع بالمأجور بوجود بضائع ومعدات وأثاث المستأجر فيه،وبالتالي لا يمكن أن يحمل المؤجر عبء هذه الظروف.

وبإعمال النصوص القانونية المطبقةفي فلسطين على هذه الحالات/الظروف، فإن عدم دفع الأجرة المستحقة على المستأجر في مواعيدها، تعد سبباً أسباب فسخ عقد الإيجار أو إخلاء المأجور حسب طبيعة كل دعوى، وذلك دون اجحاف بحق المؤجر بمبلغ الأجرة كاملاً. 

ويتوجب الإشارة هنا إلى أن القرار بقانون الصادر مؤخراً عن الرئيس بخصوص وقف المدد القانونية أثناء فترة الطوارئ، يؤدي إلى وقف سريان المدةالممنوحة للمستأجر لغايات دفع الأجور المتراكمة عليه (في الحالات التي تستوجب ارسال إخطار عدلي قبل رفع الدعوى)، على أن تستمر /تستأنف من اليوم التالي لانتهاء حالة الطوارئ، أو اليوم التالي لإعلان الجهات المختصة عن عودة انتظام عمل الجهات الرسمية ذات العلاقة.

بالرغم مما ورد أعلاه، أرى أن من الممكن أن تنطبق نظرية الظروف القاهرة، كمبرر لتأخير التزام المستأجر بدفع الأجرة، إذا ما أثبت المستأجر أن تأخره بدفع الأجرة في موعدها يعودللظروف الحالية التي أثرت عليه بشكل مباشر وألحقت به خسارة فادحة، ويبقى ذلك ضمن السلطة التقديرية للقاضي، والتي يقرر بها حسب وقائع وظروف كل دعوى على حدى.

في الختام، ولحماية مصلحة كل من المؤجر والمستأجر الذي تأثر بهذه الظروف، وتطبيقاً لقواعد العدالة وليس القانون، ينصح كل من الطرفين التفاوض بحسن نية من أجل تخفيف آثار هذه الظروف عليهما، والاتفاق على ترتيبات بديلة منصفة ومعقولة بحقهم وبصورة مؤقتةتشمل تخفيض مبلغ الأجرة المستحقة على المستأجرين المتأثرين من هذه الظروف طوال فترة سريانها، على أنه في جميع الأحوال وعند انتهاء الظروف الطارئة تعود جميع الالتزامات لكل فريق كما كانت عليه دون انتقاص منها. ويبقى هذا الخيار (تخفيض مبلغ الأجرة) أفضل للمؤجر من شغور المأجور مع عدم توفر البديل، لما ستشهده البلاد من ركود اقتصادي لفترة قادمة.