جائحة كورونا وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد الفلسطيني / بقلم ابراهيم عوض

image-1
تاريخ النشر: 2020-04-22

رغم الإجراءات الصارمة وسياسات الحجر الصحي التي أوصت بها منظمة الصحة العالمية، والتي التزمت بها معظم حكومات دول العالم، لمحاولة الحد من الاضرار والمخاطر الاجتماعية والاقتصادية الناجمة جائحة كورونا، فان الاحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) تشير الى أن عدد المصابين بفيروس كورونا في تزايد مستمر، مما يصعب التنبؤ بالفترة الزمنية اللازمة للقضاء أو الحد من انتشار هذا  الوباء. 

هذا دفع صندوق النقد الدولي والعديد من الاقتصاديين حول دول العالم للتوقع بأن ينكمش الاقتصاد العالمي بنحو 3% خلال العام 2020، وهذا أعلى بكثير من الركود الأخير خلال العامين 2008 و 2009، حيث تقلص الاقتصاد العالمي بنسبة تقل عن 1 في المائة. 

من المتوقع، أن تتسبب حالة الركود هذه، في انخفاض غير مسبوق لعناصر الطلب الكلي (الاستهلاك، الانفاق الرأس مالي، والتجارة الخارجية)، ودخول أسواق الأسهم والسندات في معظم أسواق المال العالمية في حالة من التقلب الشديد، وتراجع أسعار النفط وأسعار الذهب في الأسواق العالمية، وتذبذب كبير في أسعار الصرف للعملات في الاسواق العالمية، الأمر الذي لا زال يصعب على الاقتصاديين تقدير الاثار الاقتصادية الكبيرة والتي أضرت بكافة القطاعات الاقتصادية في مختلف دول العالم.

الاقتصاد الفلسطيني وجائحة كورونا

في ظل استمرار  وجود العراقيل السياسية و الاقتصادية التي يضعها الاحتلال الإسرائيلي على حركة الأشخاص والتجارة الفلسطينية، تعاملت السلطة الوطنية الفلسطينية مع الانتشار المحتمل للوباء في جميع أنحاء الضفة الغربية منذ بدايته، حيث أنها جندت جميع قطاعات المجتمع الفلسطيني لمواجهة حالة طوارئ وطنية غير مسبوقة. 

نعلم جميعنا أن الشعب الفلسطيني  عاش سلسلة من حالات الطوارئ التي كان يفرضها الاحتلال، ولكن هذه المرة كانت مختلفة عن سابقاتها، حيث جاءت بناءا على مطلب وطني ومن أجل الحفاظ على سلامة المواطن أولا، وكذلك السلامة العامة في مختلف محافظات الضفة الغربية، خاصة أن هناك احتمالية لانتشار الوباء بوتيرة عالية اذا لم تحول اجراءت السلطة الفلسطينية دون ذلك. 

حتى الان، لعبت تلك الاجراءات في الحد من انتشار هذا الوباء حيث أن عدد المصابين محدود جدا ، ولكن يبقى التخوف قائما من انتشار العدوى في محافظات الضفة الغربية عبر العمال الفلسطينين الذين يعملون داخل اسرائيل سيما وأن هناك عدد كبير ومتزايد من الاصابات بين الاسرائلين.

نتيجة لهذه الجائحة، والحالة الخاصة التي يعيشها الاقتصاد الفلسطيني بسبب وجود الاحتلال، وكذلك اعتماد الاقتصاد الفلسطيني بشكل كبير على الأسواق الخارجية، فمن المتوقع أن تكون الاثار والمخاطر الاقتصادية والاجتماعية على المواطن الفلسطيني كبيرة ولا يستهان بها. 

فمن المتوقع أن تؤثر تلك المخاطر على عدد من القطاعات، أهمها: الاسثمارات الخارجية، معدلات الفائدة، أسعار الصرف، أسعار النفط، وميزان المدفوعات متمثلا في تدفقات الدخل والتحويلات الجارية. 

أهم التأثيرات لجائحة كورونا على الاقتصاد الفلسطيني

للوقوف على الاثار الاقتصادية المتوقعة لأزمة فيروس كورونا على الاقتصاد الفلسطيني خلال العام 2020، قامت سلطة النقد الفلسطينية باعداد ورقة موقف في اذار الماضي للعام الحالي. 

في ورقة الموقف هذه، افترضت حدوث أحد السيناريوهين التاليين: استند السيناريو الأول على بعض الاجراءات التي أعلنتها الحكومة الفلسطينية والحكومة الاسرائيلية التي تمتد حتى نهاية شهر يونيو 2020، وتتمثل في استمرار توقف القطاع السياحي، وقطاع الخدمات، وقطاع التعليم، والحد من حركة قطاع المواصلات، وانخفاض قطاع التجارة الخارجية، وتقليل عدد العمال الفلسطينيين داخل اسرائيل نتيجة الاجراءات الاسرائيلية، وأغلاق المعابر، وهذا جميعه يترافق مع زيادة الانفاق على القطاع الصحي من أجل محاولة كبح انتشار الوباء. 

هذا السيناريو يمكن أن يؤدي الى وقوع البلاد في حالة من الركود الاقتصادي والمخاطر المترتبة عليه، خاصة حدوث ارتفاع في معدلات البطالة. 

أما السيناريو الثاني، يفترض امتداد تأثير الأزمة على الاقتصاد الفلسطيني الى الربع الثالث من العام 2020. في حالة حدوث هذا السيناريو، من المتوقع أن يصل تراجع النمو الاقتصادي خلال الربع الثالث. وهذا قد يتسبب بتراجع معدلات الانفاق الاستهلاكي والاستثماري، هذا من جهة. من جهة أخرى، قد يترافق ذلك مع ازدياد في معدلات البطالة.

للحد من المخاطر والاثار الاقتصادية التي ستتركها الجائحة على الاقتصاد الفلسطيني في حالة حدوث أحد السيناريوهين أعلاه، قامت سلطة النقد الفلسطينية باتخاذ عدد من الاجراءاءت الاقتصادية والمالية التوسعية لتحفيز النشاط الاقتصادي من خلال توفير السيولة النقدية اللازمة لرفع مستوى الاستهلاك بصفته المحرك الرئيس للاقتصاد، وأيضا تعزيز الاستثمار من خلال اتخاذ بعض الاجراءات اللازمة لتخفيف العبء الضريبي للشركات ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

الخلاصة، والسياسات المقترحة

بناءا على كل ما تقدم، من المحتمل، أن يشهد الاقتصاد العالمي هذا العام أسوأ ركود له منذ الكساد الكبير. 

رغم الاجراءات الاقتصادية والمالية التي اتخذتها سلطة النقد الفلسطينية للتخفيف من الاجراءات الوقائية التي فرضتها الحكومة الفلسطينية للحفاظ على سلامة المواطن الفلسطيني، الا أن هناك تراجع كبير وواضح لمعدلات الاستهلاك ومختلف القطاعات الاقتصادية في فلسطين خاصة قطاع السياحة وقطاع العمالة، اضافة للضرر الكبير الذي يقع على قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة بأنواعها. 

أيضا في حالة استمرار الأزمة، فان حدوث انخفاض في الانتاج العالمي ممكن أن يتسبب بارتفاع معدلات اسعار المستوردات مما قد يتسبب بحدوث ارتفاع في معدلات التضخم، وهذه الحالة ما درج الاقتصاديون على تسميتها بحالة "التضخم الركودي". 

تجدر الاشارة هنا، الى أن الجهاز المركزي للاحصاء الفلسطيني أعلن مؤخرا أن الرقم القياسي لأسعار المستهلك في فلسطين سجل ارتفاعاً جديدا خلال شهر اذار للعام الحالي.

من أجل التوصل الى حلول أكثر نجاعة، خاصة في حالة استمرار الأزمة، نقترح على الحكومة الفلسطينية اعادة النظر في الاجراءات التي أتخذتها عقب انتشار أزمة فيروس كورونا، بالتوازي مع الحفاظ على سلامة الموطن الفلسطيني، والابقاء على الدوائر الحكومية تعمل بالحد الأدنى المطلوب لتسهيل حركة المواطن، وتسيير عجلة الاقتصاد الوطني.

اعادة السماح للقطاعات الانتاجية بالعمل مع الابقاء على اجراءات الحكومة الفلسطينية الداعية لمنع التجمعات والتجمهر بكل أشكاله وأنواعه و مراعاة شروط الصحة والسلامة، وهذا من خلال حث أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة على الاستمرار في الانتاج لما له من بالغ الأثر على تعزيز قطاع العمالة والحد من ارتفاع معدلات البطالة. علاوة على ذلك، من المتوقع أن تؤدي هذه السياسة لتحفيز الاقتصاد من خلال الدور الذي سيلعبه الاستهلاك خاصة وأن الميل الحدي للاستهلال لذوي الدخل المنخفضة مرتفع نسبيا مقارنة بذوي الدخول المرتفعة، خاصة وأن النسبة الأكبر من الزيادة في دخولهم سيتم توجيهها نحو زيادة معدلات استهلاكهم، وهذا يضمن الى حد كبير تحفيز معدلات النمو الاقتصادي.

ما ينسحب على المشاريع في القطاعات الانتاجية قد ينسجب أيضا على قطاع الخدمات بكل فئاته، خاصة قطاع التعليم. أما عن الاستمرار في التعليم الجامعي، فممكن البناء على "التعليم الالكتروني" والاستثمار به، خاصة وأن بعض الجامعات الفلسطينية حققت تقدما ملحوظا في هذا المجال، مما قد يسمح للطلبة بالاستمرار في عملية التسجيل للفصول القادمة واستمرار مسيرة التعليم، مع ضرورة مراعاة تحري معاييرالمصداقية والصلاحية. وخير مثال على ذلك، نموذج جامعة القدس. 

هذه الاجراءات وغيرها من الاجراءات التحفيزية والوقائية المتوازنة التي تراعي احتيجات استمرار الحياة الطبيعية للمواطن مع اتخاذ كل ما يلزم من اجراءات للحفاظ على سلامته، ستعزز من قدرة المواطن على الحفاظ على معدل الاستهلاك العائلي الذي له الدورالأبرز والفاعل في تحفيز وتنشيط الاقتصاد، وبالتالي ستعزز من حالة الصمود التي يعيشها المواطن الفلسطيني ليس فقط بسبب أزمة جائحة كورونا ولكن بسبب الأزمات المتعاقبة التي كان يعيشها ولا زال شعبنا الصامد بسبب الاحتلال الاسرائيلي.

إبراهيم عوض/ استاذ اقتصاد الأعمال في جامعة القدس ومدير مركز التنافسية