القطاع الخاص ما له وما عليه / بقلم ثائر عيسة

image-1
تاريخ النشر: 2020-04-30

ثائر عيسة

هل تقاعس القطاع الخاص في دعم جهود الحكومة الفلسطينية لمواجهة جائحة فيروس كورونا؟ سؤال ولّد موجة من  الآراء المتناقضة، وبين مؤيد ومعارض تحول النقاش في وقت لاحق إلى سؤال آخر، ألا وهو "هل يجب إخضاع شركات القطاع الخاص لآلية معينة تمكن الحكومة من اقتطاع جزء من أرباحهم السابقة بأثر رجعي وتحت غطاء قانوني؟.

 هذا النوع من التساؤلات لم يطرح بشكل مباشر، ولكنه بدا واضحاً بين السطور في الكلام الذي دار على لسان الناطق باسم الحكومة حين قال "من ربح في الرخاء عليه الدفع في الوباء"، عبارة تحمل حروفها وكلماتها سجعاً واضحاً، بينما تحمل ثناياها الرسالة التالية، الحكومة تطالب القطاع الخاص بتحمل أعباء الوباء.

لم يستجب القطاع الخاص لهذا النداء الذي وجهته الحكومة ضمنياً إليه، فما كان من الحكومة إلا أن تقوم بإنشاء "صندوق وقفة عز"، في محاولة منها لتشجيع القطاع الخاص للقيام بالتبرع في عملية تكاد تكون إجبارية. ورغم الضغوطات التي مارستها الحكومة، لم يتجاوز المبلغ الذي تمكنت الحكومة من جمعه حاجز الـ 15 مليون دولار، وهو مبلغ يعتبر صغيراً لا يكاد يكفي لتلبية الاحتياجات التي كشفت عنها الحكومة، والتي تقدر ب 120 مليون دولار.

لذا وقبل أن نقوم  بإجابة السؤال الذي طرح في بداية هذا المقال، فلنتحدث بشكل سريع عن الأسلوب الذي تبنته الحكومات العالمية لدعم القطاع الخاص في العديد من الدول التي ترزخ حالياً تحت جائحة كورونا. إذ تمحور جل تركيز العديد من الحكومات حول إبقاء الموظفين في أعمالهم ومنع تسريحهم من وظائفهم في القطاع الخاص رغم الخسائر المتوقعة، فبادرت هذه الحكومات بتقديم حوافز مادية لمنع القطاع الخاص من الانهيار ومد يد العون له ليتمكن من الاستمرار في عملية صرف الرواتب بانتظام لموظفيه.

أما بالنسبة للحكومة الفلسطينية، فإن الأسلوب المتبع لا يمت بصلة لما ذكر آنفاً، بل على النقيض تماماً، إذ تطالب الحكومة الفلسطينية حالياً القطاع الخاص بالاكتفاء بدفع 50% فقط من رواتب الموظفين لشهري آذار وأبريل، وتأجيل دفع النسبة المتبقية من الرواتب الشهرية لوقت لاحق عندما تنتهي الأزمة، رغم أن المعظم يدرك جيداً أن القطاع الخاص متوقف عن العمل بشكل شبه كلي، وأغلب الشركات التي يضمها هي شركات صغيرة أو متوسطة تعيش كل شهر بشهره. والاقتراح الذي تطرحه الحكومة في هذا الصدد يشكل قنبلة موقوتة بالنسبة لأرباب العمل، فالمتبقي من الرواتب هو دين سوف يتراكم شهرياً ولفترة لا يدري أي منا متى من الممكن أن نشهد لها نهاية.

قد تتساءلون هنا "لمَ لَم يبادر القطاع الخاص بالتبرع لصندوق وقفة عز؟"، الإجابة باختصار لأنه ليس بمقدوره أن يتحمل تبعات هذه الكارثة وتكلفتها وحده. "في الرخاء" لم يتقاعس هذا القطاع عن دفع كل ما طلب منه من: ضرائب مبيعات، دخل جمارك، ضرائب محروقات، رسوم تسجيل، غرامات. أما "في الوباء"، فهو يحاول جاهداً في الوقت الحالي أن لا يشهر إفلاسه، خاصة أننا قاربنا على الوصول لنهاية الشهر الثاني من الإغلاق، مع قيام سلطة النقد الفلسطينية بفتح الباب على مصراعيه للاستمرار في تحصيل الشيكات، وهو أمر يشكل عبئاً إضافياً على صغار رجال الأعمال والتجار، والذين يمثلون الأغلبية.

فما الذي قررت الحكومة القيام به كحلٍّ بديل؟ عندما وجدت الحكومة الفلسطينية أن القطاع الخاص ممثلاً بالعديد من الشركات قد عجز عن تقديم تبرعات كافية لصالح صندوق وقفة عز، خرجت باقتراح آخر، تمثل في مطالبة القطاع الخاص باقتطاع يومي عمل من رواتب موظفيه أسوة بموظفي القطاع الحكومي الذي طرح هذا الاقتراح عليهم في وقت سابق. ولكن ما غفلت عنه الحكومة هنا هو أن غالبية موظفي القطاع الخاص حالياً يتقاضون بالفعل 50% أو أقل من رواتبهم في ظل عجز الشركات عن دفع رواتبهم الكاملة. ناهيك عن أن الحكومة لا تستطيع أن تطالب موظفي القطاع الخاص بالتبرع بيومي عمل كاملين في الوقت الذي عجزت فيه عن دفع الموظفين الحكوميين لتطبيق هذا القرار، بل لوحظ أنها تراجعت عنه بعد طرحه عليهم فاتحة المجال للتبرع الطوعي للراغبين فقط.

ما تناولناه حتى الآن هو فقط الناحية العملية ومدى القدرة على الفعل أو عدمه، أما إذ رغبنا بالنظر إلى كل ما يحصل من زاوية أخرى، فقد جاء إعلان الحكومة عن تعديل قانون التقاعد بمثابة المسمار الأخير في نعش الثقة بين الحكومة والشعب،  فالتوقيت والطريقة التي وقع الاختيار عليها لتمرير هذه القوانين ضربت بعرض الحائط أي نوع من الشفافية حاولت الحكومة الترويج له على أنه الأساس في أسلوب تعاملها مع الشعب خلال هذه الجائحة. ومن هنا، ليس مستغرباً أن يبدأ القطاع الخاص بالنظر بعين الريبة والشك تجاه الحكومة وقدرتها على إدارة الأموال التي تعمل جاهدة لتجميعها.

لذا، وفي نهاية المطاف، فإننا نقترح على الحكومة أن تحاول التفكير وإيجاد مقترحات وحلول مبتكرة وخارج الصندوق بدلاً من فرض المزيد من الضغوطات على القطاع الخاص الذي أنهكته قرارات الحكومة المتلاحقة طوال فترة الأزمة، فهذا القطاع هو الآن في أمس الحاجة للدعم، وإذا لم يحصل على الدعم اللازم وسقط متعثراً، فإننا نخشى أن المنظومة الاقتصادية بكاملها لن تكون في منأى عن الضرر الحاصل، وسوف تجد الحكومة نفسها مضطرة للتعامل مع طوابير طويلة من العاطلين عن العمل.