نحو تحكيم فعّال / بقلم المحامي والمحكم حسام الشريف

image-1
تاريخ النشر: 2020-07-01

يعتبر التحكيم أحد أهم الوسائل البديلة لحل النزاعات، اذ يلجأ له المتخاصمون/أطراف النزاع لحل النزاع بينهم دون اللجوء إلى القضاء أو المحاكم، لاعتباراتوميزات عديدةيمتاز بها التحكيم عن القضاء العادي، من ضمنها:

1.سرعة إصدار الأحكام التحكيمية، إذ أن هيئة التحكيمعادة متفرغة للحكم في موضوع النزاع، على عكس القضاء العادي الذي ينظر في العديد من المواضيع في ذات الوقت.

2.يعطي الحق لأطراف النزاع اختيار المدة الزمنية التي يجب أن يصدر بها الحكم.

3.يعطي الحق لأطراف النزاع في اختيار لغة التحكيم ومكانهومدة انعقاد الهيئات بما يتناسب والأطراف، مما يضفي عليه طابع المرونة.

4.يعطي الحق لأطراف النزاع اختيار القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، وبصرف النظرأن يكون غير القانون الفلسطيني.

5.سرية إجراءاته وجلساته وانحصارها بين الممثلين وهيئة التحكيم فقط، مما يمنح خصوصية للأطراف خاصة الشركات، على عكس جلسات المحاكم العلنية وحقالجميع بحضورهاكأصل عام.

6.يعطي الحق للأطراف المتنازعة باختيار هيئة التحكيم سواء كانت مشكلة من محكم فرد أو عدة محكمين، وفق ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف.

لهذه الأسباب، فإن للتحكيم دور مهم في تسوية النزاعات بين الأفراد والشركات، وقد شجعته العديد من الدول وتبنته الشركات العالمية الكبرى كوسيلة وحيدة لحل النزاعات التي تنشأ عن العقود، وبات شرطًا أساسيًا في العديد من العقود، خاصة عقود التجارة الدولية، اذ أصبح أي عقد تجاري دولي لا يخلو من شرط التحكيم كوسيلة لحل النزاع، ولذلك أقرتمعاهدات دولية خاصة بالتحكيم وسهلت على المتخاصمين تنفيذ أحكام التحكيم بعيدًا عن القوانين الوطنية ومسألة تنازع القوانين بين الدول، مثل: اتفاقية الأمم المتحدة بشأن الاعتراف بقرارات التحكيم الأجنبية وتنفيذها أو ما يطلق عليها اتفاقية نيويورك لسنة 1958؛ واتفاقية الرياض العربية للتعاون القضائي لسنة 1983، وتجدر الإشارة هنا إلى أن فلسطين طرف في هذه المعاهدات.

إضافة لذلك فقد تبنى الاتحاد الدولي للاستشارات الهندسية (الفيديك) شرط التحكيم في جميع عقوده النموذجية، وقد ألزم الدول الأعضاء، والدول التي تتبنى عقوده وتعمل بها الامتناع عن تغيير نصوص العقد إلا "بالقدر المعقول" وبما لا يمسُّ الجوهر، وقد تبنت فلسطين نموذج عقد المقاولة الموحد الصادر عن فيديك، وألزمت مؤسساتها العامة ووزاراتها بهذا النموذج.

كل ذلك سهّل من المعاملات التجارية بين الدول والشركات، وساهم بشكل كبير في حماية حقوق الأطراف، كون الأطراف ومنذ لحظة التوقيع على الاتفاقية التي تنص على شرط تحكيم، يكونون على علم بالإجراءات المتبعة وحتى صدور الحكم، إضافة إلى معرفة القانون الواجب التطبيق، كما ساعدت التكنولوجيا وبشكل كبير في اعتماد التحكيم كوسيلة لحل النزاع، لما يتمتع به من مرونة، إذ باتت جلساتالتحكيم في العديد من الخلافات تنعقد عن طريق الفيديوهات المرئية (Video Conferenceأو أي وسيلة أخرى مشابهة)، مما يوفر عناء السفر أو الحضور أمام هيئة التحكيم، وهذا على عكس القضاء العادي الذي يوجب أن يكون أطراف النزاع أو ممثليهم حاضرين أمام هيئة المحكمة المختصة.

لقد نظّم المشرع الفلسطيني إجراءات التحكيم في القانون رقم (3) لسنة 2000، واللائحة التنفيذية رقم (39) لسنة 2004 الصادرة عن مجلس الوزراء، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه صدر أيضًا قرار من قبل رئيس دولة فلسطين رقم (263) لسنة 2007 بتشكيل غرفة التحكيم الفلسطينية، والتي تتكونمن لجنة تأسيسية مكونة من ممثلين عن نقابة المحامين الفلسطينيين ونقابة المهندسين واتحاد المقاولين واتحاد الصناعيين.

وبالرغم من أهمية التحكيم وصدور القوانين التي تنظمه ووجود العديد من المحكمين وهيئات التحكيم في فلسطين، إلا أنه لم يرَ النور بعد، وليس مفعلًابالقدر المطلوب بين المتخاصمين كوسيلة لحل النزاع بينهم، لحداثة نشأته من جهة، وقلة وعي الأفراد حول امتيازاته وأهميته لحل النزاعات من جهة ثانية.

لما ورد أعلاه، وبالتزامن مع التطور التكنولوجي الحاصل، ونظرًا لتشابك وتعقدالعلاقات التجارية بين الأفراد والشركات، يوجب بالضرورة التفكير الجديّبتفعيل التحكيم وتبنيه من قبل الشركات كوسيلة لحل النزاعات، لما يحقق مصلحة بإنهاء الخلاف خلال مدة زمنية قصيرة (ممكن تحديدها من قبلهم) وبمرونة أكثر، وعن طريق هيئة تحكيم يتم اختيارها بالتوافق فيما بينهم.

ختامًا؛لا يجوز التحكيم في جميع النزاعات، إذ أن هناك أمور لا يصح بها التحكيم، لما تتمتع به من خصوصية، لا سيّماوأنها تنحصر بالقضاء، وقد ذُكرت في قانون التحكيم الفلسطيني واللائحة التنفيذية، على وجه التحديد والحصر، وهي:
1.المسائل التي تتعلق بالنظام العام في فلسطين.
2.المسائل التي لا يجوز الصلح فيها قانونًا كالعقوبات والمنازعات المتعلقة بالجنسية.
3.كل ما هو متعلق بالأحوال الشخصية كالطلاق والنسب والإرث والنفقة، على أنه يجوز أن يكون موضوعًا للتحكيم تقديرًا لنفقة واجبة أو تقديرًا لمهر، أو أي دعوى مالية أخرى ناشئة عن قضايا الأحوال الشخصية.