أهمية تبني التحكيم في حل نزاع الشركاء / بقلم المحامي والمحكم حسام الشريف

image-1
تاريخ النشر: 2020-08-13

يعتبر القطاع الخاص – على رأسه الشركات -  أحد أكبر المشغلين للأيدي العاملة في فلسطين، ومن أكبر المؤثرين في الاقتصاد الفلسطيني، الأمر الذي يجعل من ديمومة هذه الشركات واستمرار عملها مسألة أساسية في المحافظة على الاستقرار الاقتصادي الفلسطيني.

تصنف أنواع الشركاء في فلسطين إلى شركات أموال (مساهمة عامة وخصوصية) وشركات أشخاص (عادية عامة، عادية محدودة) والشركات المدنية. وتؤسس هذه الشركات بموجب عقود تأسيس وأنظمة داخلية تحدد غاياتها وآلية إدارتها وغيرها من البنود الخاصة فيها، وهناك من يقوم بالتوقيع على اتفاقية شراكة وتأسيس شركة قبل البدء بإجراءات تأسيسها أمام وزارة الاقتصاد، وهناك من يعتمد قواعد ومدونة حوكمة الشركات في إدارتها. 

تجدر الإشارة إلى أنه وبالنظر إلى الواقع العملي فإن معظم هذه الشركات يتم تأسيسها بناءً على الاعتبار الشخصي للشركاء، بغض النظر  عن شكلها القانوني؛ مما يعطي أهمية للشركاء أكثر من الشركة ككيان مستقل بحد ذاته. وبالنتيجة،  يؤدي ذلك إلى عدم ديمومة واستمرارية الشركة في التطور والنمو في حال حصول خلاف بين الشركاء، ويخبرنا الواقع العملي عن العديد من الشركات الفلسطينية التي نجحت في بدايتها إلا أنها في النهاية لم تحافظ على استقرارها المالي والتجاري، نتيجة خلافات الشركاء أو ورثتهم، التي أدت بالنتيجة إلى إغلاق الشركة أو تصفيتها .

بالنظر إلى الشركات التي أغلقت وتم تصفيتها نتيجة الخلافات بين شركائها، نجد أن أحد أهم الأسباب لعدم الاستمرار في ممارسة أعمالها التجارية، يتمثّل بطول مدة إصدار الأحكام عند اللجوء إلى المحاكم لحل النزاع بين الشركاء والذي أخذ في بعض القضايا فترة تزيد عن ستة سنوات (إذ أن هذه الفترة تعتبر طويلة جداً في مجال الأعمال والتجارة)، ومن جانب آخر، نجد أنه لا يوجد آلية فعّالة ومرنة وسريعة وملزمة للشركاء (سواء لحل النزاع أو إدارته) في عقود التأسيس وأنظمتها الداخلية أو اتفاقيات الشراكة، تتوافق وطبيعة عمل الشركات، هذا بالإضافة إلى عدم معرفة الشركاء بخيار التحكيم كوسيلة بديلة لحل النزاع، تتمتع بالعديد من المميزات.

من هنا تأتي أهمية إدراج شرط التحكيم في عقود التأسيس والأنظمة الداخلية للشركات خاصة العادية والمساهمة الخصوصية، كوسيلة لحل النزاعات التي قد تنشأ بين المساهمين/الشركاء، وذلك لعدة اعتبارات وميزات للشركات، من أهمها:

1.انعدام المانع القانوني: عدم وجود ما يمنع في قانون الشركات النافذ في فلسطين من اختيار التحكيم كوسيلة لحل النزاع بين الشركاء/المساهمين.

2.ميزات التحكيم: إن ما يمتاز به التحكيم كوسيلة خاصة وبديلة لحل النزاع، من سرعة في إصدار الأحكام وحل آثار النزاع؛ يحافظ على ديمومة الشركة واستمراريتها في العمل ونموها وتطورها، بما يتوافق وطبيعتها التجارية، التي تفرض سرعة حل الخلافات قبل خروجها للعلن بما يهدد سمعة الشركة أمام زبائنها وأصحاب المصالح.

3.عملية اختيار هيئة التحكيم: يتم اختيار هيئة التحكيم/المحكم من قبل الشركاء وبالتوافق فيما بينهم، مما يحقق الطمأنينة لديهم حول الحكم الذي سيصدر، كونه سيصدر من محكمين مؤهلين وموثوقين، الأمر الذي يجعل من تنفيذ قرار التحكيم سلساً ودون أي معيقات.

4.التخصص: هيئة التحكيم/المحكم الذي يتم اختياره، يكون عادة من أصحاب الخبرة والاختصاص في مجال النزاع المعروض عليه، مما يؤدي إلى فهم المحكم لموضوع النزاع بطريقة اسهل؛ على عكس القضاء العادي؛ حيث من الممكن أن يكون القاضي الذي ينظر في النزاع  غير متخصص في موضوعه، كما أن النظام القضائي الفلسطيني لا ينص على وجود قضاء متخصص.

5.سرية جلسات التحكيم: وهذه الميزة تؤدي إلى المحافظة على الوضع المالي للشركة والشركاء، ذلك أنه ولغايات استمرارية عمل الشركة ككيان منفصل عن الشركاء، لا بد وأن تبقى جميع الخلافات سرية؛ تجنباً لزعزعة وضعها المالي، والتأثير على قيمتها وقيمة أسهم الشركاء فيها، وتجنباً لطمع الغير بشراء الحصص/الأسهم بأقل الأسعار. وذلك كله على عكس القضاء العادي الذي تكون جلساته علنية يسمح للجمهور بالاطلاع عليها مع استثناءات بسيطة.

6.الآثار المترتبة على العلاقة بين الشركاء: يعتبر اللجوء للتحكيم أقل حدة من اللجوء إلى القضاء؛ لسرعته في الفصل بالنزاعات، ذلك أن طول التقاضي أمام المحاكم العادية غالباً ما يؤثر على العلاقة بين الشركاء، مما يؤثر سلباً على قيام الشركة بأعمالها أثناء نظر النزاع، وأحياناً إيقاف العمل كلياً.

7.تشجيع الاستثمار: إن اختيار آلية التحكيم يبعث الطمأنينة في نفوس المستثمرين، مما يساهم وبشكل كبير في تشجيع الاستثمار وجلب المستثمرين الأجانب والمحليين، كون أن التحكيم يمنح الحق للمتخاصمين باختيار القانون الموضوعي والإجرائي الذي يحكم النزاع، ويستبعد القانون الوطني/الفلسطيني الذي من الممكن أن لا يحقق المصلحة التجارية للمستثمر الأجنبي أو المحلي نظراً لقدمه وعدم مواكبته للتطورات الحاصلةفي حقل التشريعات التجارية.


ختاماً، نشير  إلى أن العديد من القوانين والأنظمة الخاصة بالتجارة والاستثمار، وكذلك اتحادات الشركات الكبرى التي أنشأت بموجب القوانين السارية، قد اعتمدت التحكيم كوسيلة لحل النزاعات بين أطراف هذه الاتحادات أو الشركات أو التجار، إلا أنه لم يتم ممارسته بالشكل المطلوب حتى الآن، ومن هذه القوانين والتشريعات والمواثيق:

1. قانون تشجيع الاستثمار الفلسطيني رقم (1) سنة 1998، في المادة (40) منه.

2. القرار بقانون رقم (9) لسنة 2011 بشأن الغرف التجارية والصناعية، والنظام الخاص بها الصادر بموجب قرار مجلس الوزراء الخاص بها رقم (2) لسنة 2013. إذ جعل من ضمن اختصاصات الغرف التجارية، حل النزاعات بين أعضائها بواسطة التحكيم.

3.تبنى اتحاد شركات التأمين بتاريخ 03/02/2014، التحكيم كوسيلة لحل الخلافات الناشئة بين أعضاء الاتحاد.

لما ورد أعلاه، ولأهمية التحكيم للشركات -  خاصة الملزمة بتطبيق قواعد الحوكمة -  أنصح أن يتم إدراج التحكيم (كوسيلة لحل النزاع بين المساهمين)، ضمن قواعد حوكمة الشركات في فلسطين الصادرة في العام 2009 من قبل اللجنة الوطنية لحوكمة الشركات.