الحوادث ترفع الوفيات

تاريخ النشر: 2014-04-07


رام الله- الاقتصادي-  142 روحا ازهقت خلال العام الماضي في فلسطين ليس بسبب حرب أو اعتداء ولا بسبب كارثة طبيعية، بل أن حوادث السير القاتلة نالت منهم لتفرض سؤالا مهما: لماذا تقع كل هذه الحوادث في بلد عدد سكانه قليل؟
أسباب كثيرة يسردها أصحاب الاختصاص، لكن النتيجة واحدة بالتأكيد أن الموت سيظل يتربص بآخرين طالما أن السلوكيات المرورية بقيت على حالها، ولم تتدخل الجهات المسؤولة لوقف نزيف الدم على الطرقات وترفع من وعي المواطنين بترسيخ حقيقة في أذهانهم بأن أي خلل في ثالوث المرور: الإنسان والمركبة والطريق سيؤدي حتما إلى نتائج وخيمة.

الأرقام تتحدث

حافظت فلسطين على مدار سنوات على معدل معقول من حوادث المرور، لكن عدد الحوادث أخذ في الارتفاع في السنوات الأخيرة، وبخاصة تلك الحوادث التي تتسبب في وقوع وفيات وإصابات.
ففي عام 2013 وقع 7827 حادثا مروريا وبلغ عدد الاصابات 7600 اصابة و142 حالة وفاة، فيما تسببت حوادث السير في عام  2012 بوفاة  104 أشخاص.
ويؤكد الرئيس التنفيذي للمجلس الأعلى للمرور المهندس محمد جرادات أن المؤشرات تدل على أن حوادث المرور في السنوات الأخيرة آخذة في التصاعد، منوها إلى أن عدد الحوادث المسجلة حافظت تقريبا على معدلاتها لكن عدد الوفيات بازدياد، ففي عام 2011 وقع 8080 حادثا أي أن عدد الحوادث في هذا العام كان أعلى من العام الماضي بينما توفي 92 شخصا أي أن العدد كان أقل من السنتين الأخيرتين.

ويبين جرادات أنه يتم قياس مدى ارتفاع حالات الوفيات مع عدد السكان، مشيرا إلى أن المعدل يصل الى خمسة حالات وفاة  لكل 100 ألف نسمة، بينما تصل نسبة الوفيات في السعودية على سبيل المثال إلى 49 حالة وفاة لكل 100 الف نسمة وهو المعدل الأعلى في العالم حاليا.
ومقارنة مع دول المنطقة، يؤكد جرادات أن نسبة الوفيات التي تتسبب بها حوادث السير في فلسطين تعتبر قليلة إذا ما قورنت بدول الجوار، منوها إلى أن عدد الوفيات التي تقع بسبب حوادث السير في فلسطين مازالت ضمن سياقها الطبيعي وأقل كثيرا من دول أخرى.
من جهته، يقول المقدم أبو زنيد ابو زنيد مدير عام المرور في الضفة الغربية إنه وقع في العام الماضي 7823 حادث طرق، معتبرا ذلك نسبة بسيطة إذا ما قورنت مع دول العالم الأخرى، مشيرا إلى أن نصف الحوادث لدينا فيها مصابون والنصف الآخر تسببت بضرر مادي فقط.
ويقول محمد الريماوي نائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد الفلسطيني لشركات التأمين إن حوادث السير المسجلة في فلسطين تعد من الأعلى في العالم مقارنة مع عدد السكان وعدد المركبات المستخدمة، منوها إلى أنه عند مقارنة فلسطين مع الدول المجاورة فإن نسبة حوادث السير ستكون مرتفعة.

آفة دولية

ويؤكد  أبو زنيد ابو زنيد أن حوادث السير أصبحت آفة تواجه دول العالم على اختلاف ثقافتها سواء كانت تلك الدول متقدمة وفيها نسب تعليم عالية أو مجتمعات أقل تحضرا وتعلما، مشيرا إلى أن كافة الدول تبذل جهودا لمكافحة هذه الظاهرة والحدّ منها.
وأشار أبوزنيد إلى أن نحو مليون إنسان يموتون سنويا في العالم بسبب حوادث الطرق، لافتا إلى أن فلسطين شأنها كباقي الدول تعاني من حوادث السير، مبينا وجود عدة أسباب تتوزع بين السائق والمركبة والطريق والأحوال الجوية.

أسباب بشرية أم حالة الطرق؟

المراقبون يختلفون حول المسبب الرئيسي لوقوع الحوادث في فلسطين، فبينما يعتقد البعض أن السلوكيات المرورية للسائق تتحمل نصيب الأسد، يذهب آخرون إلى تحميل حالة الطريق المسؤولية الأولى.  
ويرى أبو زنيد أبوزنيد أن المحور الأساس في الحوادث يبقى الإنسان لأنه هو من يستخدم المركبة وهو من يصنعها ويوظفها وهو الذي يهمل كذلك في اصلاحها وصيانتها ميكانيكيا وفنيا، بالإضافة إلى تحكمة بالخطر وامتلاكه أدوات الحدّ من الضرر.
ويلفت إلى أن الجهود في فلسطين وجهت نحو الإنسان من خلال اطلاق حملات توعية وتثقيف للجيل الناشىء في المدارس والجامعات وكافة المؤسسات المجتمعية لنشر ثقافة مرورية سليمة.

غير أن جرادات يعتقد أن حالة الطرق في فلسطين تعتبر المسبب الأول لوقوع حوادث السير، قائلا إن ما يوجد في فلسطين حاليا ممرات لعبور الجمال والخيول وليست شوارع لمرور المركبات. وأضاف "يجب ألا نقوم بإنشاء أي طريق إلا بعد أن يكون قد استكمل المواصفات العالمية المطلوبة"، مؤكدا أن المواصفات العالمية تستوجب أن يكون الطريق آمنا بنسبة 100% وإلا فيجب ألا يفتتح".

وبين أن المسبب الأول لوقوع حوادث الطرق في فلسطين هي حالة الطرق غير المؤهلة، مبينا أن معظم الحوادث تقع بسبب تصاميم الطرق التي لا تلبي المواصفات العالمية، قائلا" معظم الحوادث تبين بعد وقوعها أن تصاميم الطرق ما زالت بعيدة جدا عن المواصفات العالمية"، مبينا أن الطرق في فلسطين ما زالت تنشأ وفق مواصفات الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي.

وقدر جرادات أن العوامل البشرية المسببة لوقوع الحوادث في فلسطين لا تتعدى 10% من مجمل الحوادث المسجلة، مشيرا إلى أن هذه العوامل تتمثل في الاستهتار والسرعة الزائدة.
ورفض ابوزنيد ما ذهب اليه المهندس جرادات بالقول إن 90% من حوادث السير في فلسطين سببها حالة الطرق، معتبرا ذلك اجتهادا شخصيا. واضاف" الاحصائيات والبيانات المتوفرة لدينا تظهر أن غالبية الحوادث لا تقع بسبب حالة الطرق ولا بسبب المركبة وإنما بسبب سلوك السائق الذي يتحمل المسؤولية في 90% من الحوادث المسجلة"، مشيرا إلى أن الطريق تكون السبب في حالة وجود خلل في التخطيط الهندسي مثل وجود طرد مركزي عكسي يميل إلى القاء المركبة خارج المحور ولا يؤمن لها الجاذبية المطلوبة.

بدوره، يرد جرادات على التقارير الرسمية الصادرة المتعلقة باحالة أسباب وقوع حوادث السير لعوامل بشرية، بقوله" الخبرة غير متوفرة لدينا، ولهذا نجد انه يتم تسجيل معظم الحوادث بأنها وقعت لأسباب بشرية"، مدللا على ذلك بأنه في حالة وقوع حادث في طريق يحتوي على منحى يتم تصنيف وقوعه لسبب بشري رغم أن المنحى يكون السبب كونه لم يوفر مساحة رؤية جيدة.

ويقول إنه في سياسة هندسة الطرق اليوم يأخذ في الاعتبار أنه عند وقوع حادث، فيجب ألا يتأذى السائق او المركبة أو الركاب ولا حتى المنشأة المقامة بجانب الطريق. ويضيف" حتى لوكانت هناك علامات ارشادية أو عامود كهرباء  أو شجرة في الطريق توجد تصاميم تأخذ في الاعتبار انه في حالة وقوع حادث تنزلق المركبة ولا تتأذى تلك الإشارة، كما يركب جهاز طوارئ منخفض التكلفة على الشجرة وفي حالة صدمها من قبل المركب يتم امتصاص الصدمة بحيث لا تتأذى الشجرة ولا المركبة ولا السائق"، منوها إلى أن كثيرا من الحوادث المسجلة في فلسطين اصطدمت خلالها المركبة بشجرة وتسببت في تدمير المركبة، مؤكدا أن ذلك مرفوض بالمطلق في التصاميم الحديثة.

المطلوب 2 مليار دولار لإعادة تأهيل الطرق

من جهته رفض م. اسلام عبد الجابر مدير عام الطرق في وزارة الاشغال تحميل الطرق المسؤولية الرئيسية لوقوع حوادث السير، قائلا إن 92% من حوادث المرور في العالم يتحمل مسؤوليتها السائق و3% تعود لحالة المركبة و1% فقط من الحوادث  تتحمل مسؤوليته حالة الطريق.
 
ولفت إلى أن وزارة الأشغال العامة والاسكان انفقت نحو 1.1 مليار دولار من إنشاء السلطة الوطنية لتأهيل شوارع بالضفة، مشيرا إلى أن عددا بسيطا من الحوادث تقع بسبب وجود منحيات في الطرق، مبينا أن سبب وجود هذه المنحيات هو طبيعة تضاريس فلسطين، فجزء كبير من مساحة الضفة جبلية وبالتالي نضطر لتصميم طرق فيها منحيات.
 
وأضاف" المنحيات الموجودة في الطرق اليوم ورثناها من ايام الانجليز ومن ثم الاردن واسرائيل، ومن أجل تغيير وضع المنحيات لا توجد لدينا امكانيات لاستملاك اراض"، مشيرا إلى أنه على سبيل المثال  إذا كانت طريق تكلف مليون دولار لإعادة تأهيلها فإنها ستكلف  ثلاثة ملايين دولار  في حالة استملاك أراض بغية التخلص من المنحيات.
ونوه عبد الجابر إلى أنه إذا أردنا تطوير قطاع الطرق في الضفة الغربية ليكون مميزا فإن السلطة ستحتاج لنحو ملياري دولار على الأقل، وهذا يشمل فقط الطرق الرابطة المسؤولة عنها وزارة الاشغال العامة والتي يصل طولها الى 3200 كيلو متر، مبينا أن الطرق التي تقع داخل الحدود البلدية تقع مسؤوليتها على وزارة الحكم المحلي.

ويؤكد محمد سرحان رئيس نقابة عمال النقل في محافظة رام الله والبيرة-عضو هيئة إدارية في النقابة العامة لعمال النقل في فلسطين أن أطراف العلاقة بين العناصر الثلاث ممثلة بالسائق والطريق والمركبة كلها تلعب دورا في وقوع حوادث السير.

ويتفق سرحان مع تغليب فكرة أن حالة الطرق هي المسبب الرئيسي لوقوع حوادث السير في فلسطين كونها لا تستوعب عدد المركبات الموجودة، بالإضافة إلى انعدام الثقافة المرورية.
ولفت إلى أنه في حالة تكرار الحوادث في طريق ما ، فهذا يعني أن الخلل في الطريق وليس في السائق، منوها إلى وجود عدد من الطرق في  الضفة التي تتكرر فيها الحوادث.
ونفى سرحان وجود أماكن مخصصة لتحميل الركاب وتنزيلهم إلا فيما ندر، مؤكدا أن النقابة طالبت البلديات بتخصيص مثل هذه الأماكن للحدّ من الأزمة المرورية وبالتالي التقليل من وقوع الحوادث.
وأشار سرحان إلى أن الإشارات المرورية لا توضع بناء على أسس علمية ومهنية ودراسة وإنما بناء على اجتهادات شخصية وبالفطرة والتجربة، كما أن كثيرا من الشوارع لا تحتوي على خطوط مرسومة، مؤكدا أن فلسطين تفتقر لخبراء مرور متخصصين يوجهون حركة السير بطريقة صحيحة.

واشار إلى العامة يتحملون جزءا من مسؤولية ارتكاب السائقين لمخالفات مرورية مثل مطالبة السائق بالسرعة الزائدة لتأمين وصول أسرع.
وخلص سرحان إلى القول" المطلوب وضع نظام مروري متكامل يتحمل فيه الكل مسؤوليته، وحينما نصل إلى مرحلة يقطع فيها المشاة شارع من المكان غير المخصص له ولا يتم تحميل السائق المسؤولية سنصل عندها إلى وضع جيد من تطبيق النظام".

ولفت إلى افتقار البلد إلى أماكن مخصصة للحافلات، مشيرا إلى أن كثيرا من عوامل الضغط النفسية وحرمان السائقين  العوميين  من فرصة توفير حياة كريمة من الأسباب التي تزيد من وقوع الحواث، لافتا إلى ضرورة تفريغ المدينة من الضغط، فليس مطالبا من جميع المركبات أن تدخل الى وسط البلد.

ويعتقد محمد الريماوي نائب رئيس مجلس إدارة الاتحاد الفلسطيني لشركات التأمين أن كلا الرأيين صحيح، قائلا"هذا الموضوع متعدد ومتشابك وكل الأطراف تتحمل مسؤولية"، مشيرا إلى أن التأمين يعد اليوم جزءا من ثقافة اي شعب ولكننا في فلسطين نعاني من تأكيد أهمية التأمين على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والحضارية.

وأضاف" من أرجع أسباب وقوع حوادث السير لسلوك السائق صحيح ولكنه جزء من ثقافة تحتاج إلى حملة توعية تمس كل المعنيين بقيادة المركبات"، مشيرا إلى أهمية أن تصبح الثقافة المرورية الواعية جزءا من ثقافة المجتمع.
وبين الريماوي أن عدم وجود بيئة مرورية سليمة من الأسباب المهمة التي تؤدي إلى وقوع حوادث سير، منوها إلى أن فلسطين تفتقر لوجود طرق مؤهلة وتحتوي على شواخص مرورية، مشيرا إلى أن عدم مقدرة الشرطة الفلسطينية الوصول للمناطق سي الخاضعة أمنيا للجانب الاسرائيلي ومحدودية وصول الشرطة للطرق الخارجية يلعب دورا كبيرا في ارتفاع نسبة الحوادث.
ويؤكد جرادات أن المطلوب هو إعادة تقييم وتصميم الطرق لتتواءم مع المواصفات العالمية، مشيرا إلى أن ذلك يقع على كاهل وزارات النقل والمواصلات والأشغال العامة والتخطيط والحكم المحلي، مطالبا أن تكون وزارة الاشغال العامة هي المسؤولة عن كل الطرق في فلسطين بما فيها الطرق الخاضعة لمسؤولية وزارة الحكم المحلي، قائلا إن المسؤوليات حاليا موزعة بين وزارتي الأشغال العامة والحكم المحلي وتتدخل جهات خارجية في تصميمها مثل الوكالة الامريكية للتنمية USAID، مؤكدا أنه حتى الطرق التي تنفذ بدعم من  USAID لا تنشأ وفق المواصفات العالمية المطلوبة ولا تقبل الولايات المتحدة اقامة طرق تتمتع بمواصفات شبيهة لتلك التي تقيمها في فلسطين.

هل حقق نظام النقاط المرورية نتائج ملموسة؟

أقرت السلطة الوطنية قبل نحو عام نظاما للمخالفات المروية يتم فيه احتساب نقاط على المخالفات ويتم ترصيد هذه النقاط على السائق  ما قد يجعله ينال عقوبة كبيرة تصل إلى حد سحب رخصته في حالة تجميع نقاط معينة، فهل كان لهذا النظام انعكاسات ايجابية للحد من حوادث السير؟

يؤكد ابو زنيد أن تطبيق القانون يسير بوتيرة عالية جدا، ولكن العملية مترابطة، فإذا كان التشريع ضعيفا سنخسر وإذا كان التعليم والتثقيف ضعيفا كذلك سنخسر أكثر، منوها إلى ضرورة أن تكون التشريعات والقوانين رادعة، فالعقوبات لدينا إذا ما قورنت مع ما هو مطبق لدى دول العالم الاخرى ستجدها بسيطة.

وأضاف" كثير من المواد التي لا يتضمنها قانون المرور رقم (5) لعام 2000، نلجأ لقانون العقوبات باعتباره الأصل العام في التجريم، ويحمل الرقم16 لسنة 1960".
ولفت إلى أن بعض العقوبات مخالفتها خمسة دنانير أردنية منها على سبيل المثال  إشغال الطريق العام دون إذن، رغم أن حواث وقعت نتيجة هذا السبب ونتج عنها وفيات.
ونوه إلى أن عدد المخالفات المرورية التي حررتها شرطة المرور في الضفة الغربية العام الماضي  بلغت 104500 مخالفة وكل عدد السيارات لدينا لا يتجاوز 250 الف مركبة، بمعنى 40% من المركبات في فلسطين تم ايقافها وتحرير مخالفات بحق سائقيها، ما يعني أنه مقارنة مع عام 2012 فإن تحرير المخالفات قد زاد بنسبة تصل إلى نحو 10%.

من جهته، قال سرحان إن الأسباب التي تؤدي إلى الحوادث هي نفسها التي تؤدي إلى زيادة عدد النقاط، مشيرا إلى أن ارتفاع نسبة الحوادث وحالات الموت في السنوات الأخيرة يعد مؤشرا خطيرا. 
ولفت سرحان إلى أن عدم توسعة الشوارع وبخاصة في المدن في ظل النمو السكاني وتزايد أعداد المركبات من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى وقوع حوادث السير.
بدوره ، قال الريماوي" لم نلمس اي انعكاس ايجابي لهذا النظام  لأن الأسباب التي تؤدي الى ارتفاع نسبة الحوادث مازالت قائمة"، مؤكدا أن ارتفاع الحوادث ظاهرة اجتماعية يجب أن تأخذ على محمل الجد من قبل كافة الجهات ذات العلاقة.

سيارات مشطوبة..وازدحام مروري

يرجع مراقبون أسباب وقوع حوادث السير في فلسطين إلى عوامل تتعلق بالمركبة وحالتها من جهة، وبخاصة في ظل انتشار السيارات غير المرخصة "المشطوبة"، وكذلك بسبب الازحام المروري المتزايد.
ويرى عبد الجابر أن نوعية السيارات المستوردة مقارنة مع الجوار تعتبر مميزة، فأغلب السيارات حديثة محملا السيارات المشطوبة خارج نطاق المدن جزءا من مسؤولية حوادث السير التي تقع"، مشيرا إلى أن السلطة الوطنية تنفذ حملات لمكافحة ظاهرة السيارات المشطوبة لكنها تعود إلى الواجهة في اليوم التالي بسبب عدم  قدرة الشرطة الفلسطينية للوصول إلى مناطق سي الخاضعة أمنيا لسلطات الاحتلال.
 
ولفت ابوزنيد إلى أن حوادث السير مؤشر خطير آخذ في الارتفاع عاما بعد آخر وذلك نتيجة تقدم المجتمع، وسهولة الحصول على المركبة، مشيرا إلى أن التسهيلات البنكية التي منحت المواطنين فرصة اقتناء مركبة  زادت من عدد المركبات، وكذلك انتشار ظاهرة السيارات المشطوبة في المناطق غير الخاضعة أمنيا للسلطة الوطنية من الأسباب التي تزيد من حوادث السير،  معتقدا أن السبب الرئيسي يتمثل في عدم وجود الوعي الكافي للتعامل مع المركبة، كما أن الثقافة المرورية منعدمة فالطفل لا يعرف مثلا كيف يقطع الشارع، وكثير من الحوادث تقع نتيجة دهسهم وهذه من الظواهر الغريبة غير موجودة في دول أخرى.
من جهته، دعا سرحان إلى إعداد دراسة تتضمن أعداد المركبات التي نحتاج لترخيصها وتفي باحتياجات السكان، مؤكدا مجددا أن الشوارع الحالية لم تعد تستوعب أعداد المركبات المتزايدة.
ويؤكد سرحان أن المدن الفلسطينية وبخاصة مدينتي رام الله والبيرة تعاني من أزمة مرورية خانقة خلال ساعات الصباح الباكر وفي فترة بعد الظهيرة، اي اثناء توجه الموظفين إلى عملهم وعودتهم منه، مشيرا إلى ضرورة الاستعانة بخبراء مرور لتخيف الأزمة، مدللا على ذلك بأن مدينة الخليل استعانت بأمانة عمان الكبرى لتخفيف الأزمة في شوارع المدينة ونجحت في ذلك بالفعل.

ويقول سرحان إن السلطة الفلسطينية منحت منذ انشائها تراخيص سياقة للمركبات العمومية بكثرة دون دراسة احتياجات البلد، وكذلك الأمر بالنسبة للمركبات الخاصة حيث يوجد اكثر من 120 مستوردا للسيارات من الخارج دون وجود معرفة مسبقة لحجم استيعاب شوارعنا لأعداد المركبات المضاعفة.
ويخلص سرحان إلى القول" لا يوجد اي تخطيط من الجهات المسؤولة لما يجب أن تكون عليه حركة المرور في فلسطين"، منوها إلى أن عدة وزارات تتحمل المسؤولية عن الوضع الحالي منها وزارات النقل والمواصلات والاشغال والتخطيط .

وطالب مجلس الوزراء بوضع خطة استراتيجية لموضوع النقل من كافة جوانبه لعدة سنوات تأخذ في الاعتبار الاحتياجات المستقبلية، لافتا إلى أن مدن الضفة على سبيل المثال غير مؤهلة لتبادل في حركة السير مع قطاع غزة في حالة سماح اسرائيل للتنقل بين شطري الوطن، وكذلك الأمر يتعلق في حالة فتح الحدود مع الأردن.

ضعف في التشريعات

يؤكد بركات ميادمة – مدير عام الإدارة العامة للتأمين في هيئة سوق رأ س المال الفلسطينية 
وجود خلل في البيئة التشريعة خاصة فيما يتعلق بتنظيم العلاقة بين  قطاع التأمين والقطاعات الأخرى في حالة وقوع حوادث، قائلا إن المنظومة التشريعية في البلد بغض النظر عن اختصاصها يجب أن تكون متكاملة ومترابطة ومتناسقة ولا يوجد فيها تعارض.

وأشار إلى وجود بعض التعارضات بين نص قانون التأمين والقوانين الأخرى، فمثلا قانون التأمين ينص في "تأمين المركبات الآلية" المادة 137 على أنه "لا يجوز لأي شخص بأن يستعمل مركبة آلية، أو أن يسمح لأي شخص آخر باستعمالها أو أن يتسبب في ذلك إلا إذا كانت للمركبة وثيقة تأمين نافذة المفعول متفقة وأحكام هذا القانون". ومادة 139 تقول "لا يجوز أن تزيد مدة التأمين في الوثيقة عن مدة سريان رخصة المركبة". 
أما في قانون المرور، فإنه ينص على أن سلطة الترخيص لن تقبل ترخيص المركبة إلا إذا كان فيها تأمين ساري المفعول، من دون تحديد المدة الزمنية لسريان مفعول التأمين. 
وأضاف"هنا نرى بأنه لا يوجد تكامل بين القوانين"، مؤكدا ضرورة توحيد القوانين والتشريعات في هذا المجال.

وأشار إلى أن هيئة سوق رأس المال الفلسطينية وقعت مذكرة تفاهم مع وزارة النقل والمواصلات لربط الترخيص بالتأمين حتى يتم إلزام كل مركبة ترخص في النقل والمواصلات بضرورة الحصول على وثيقة تأمين سارية المفعول طول فترة سريان رخصتها، وبالتالي عملت الهيئة على الحد من هذا التعارض.

من جهته، نوه الريماوي إلى وجود ثغرات قانونية، لافتا إلى أن بروتوكول باريس الاقتصادي يحدّ من هامش الحركة لشركات التأمين الفلسطينية، فمثلا في حالة وقوع حادث بين مركبتين واحدة فلسطينية وأخرى اسرائيلية وإذا كان المتسبب السيارة الاسرائيلية لا يوجد آلية للتواصل بهدف تعويض المركبة الفلسطينية، قائلا" من الصعوبة بمكان حتى تكليف محام أو خبير لتخمين الأضرار المادية ومتابعة الحالة". وتابع" في المقابل لو كان المتسبب المركبة الفلسطينية يقوم الجانب الاسرائيلي باصلاح المركبة ويخصم التعويض من ضريبة المقاصة".

قلة الوعي المروري

يتفق المراقبون والمختصون على أن المجتمع الفلسطيني يعاني من ضعف واضح في الثقافة المرورية، مشيرين إلى أهمية إطلاق حملة وطنية لرفع الوعي المجتمعي في مجال المرور.
وطالب ابوزنيد بتضافر جهود كافة القطاعات الحكومية والأهلية من أجل الحد من مشكلة حوادث الطرق، مؤكدا ضرورة طرح هذا الموضوع على جدول اهتمام المجتمع الفلسطيني.
وأشار إلى أهمية التوعية المرورية في صفوف الشباب، منوها إلى أن 80% من الذين توفوا في حوادث سير هم دون سن الـ45.
وأشار جرادات إلى أن المجلس الأعلى للمرور يقوم بتنفيذ العديد من حملات التوعية بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم والمدارس والجامعات  في محاولة لخلق جيل مروري واع.
وأشار إلى أن مجلس المرور الأعلى يقوم ببعض الحلول الترقيعية للحد من الحوادث لكن الحلول الجذرية تبدأ باتخاذ قرار من مجلس الوزراء بتحديد تبعية الطرق لوزارة الأشغال، قائلا" اينما يوجد أسفلت حتى لو كان ملعبا داخل مدرسة يجب أن تكون من مسؤولية وزارة الأشغال".

بدوره، أكد الريماوي وجود تقصير بخصوص نشر التوعية المرورية، منوها إلى أنه في الدول الأخرى تشمل حملات التوعية كافة وسائل الإعلام وتخصص برامج يومية لتنشر الثقافة المرورية وهو غير متوفر في فلسطين.
ورحب ميادمة بأن تشارك هيئة سوق رأس المال الفلسطينية في حملة وطنية لزيادة التوعية المرورية في المجتمع، قائلا إن الهيئة لم تتوقف ولن تتوقف عن أي نشاط توعوي تجاه اعمال التأمين بما فيها المرور" ، مشيرا إلى أن الهيئة ووفق الإمكانيات المتوافرة لديها فإنها تقوم  سنويا بحملات منها يوم التأمين في الجامعات الفلسطينية بالشراكة مع الاتحاد الفلسطيني لشركات التأمين، كما تخطط الهيئة لتنظيم  أسبوع تأمين للأطفال، مؤكدا في الوقت ذاته أن تكون حملة التوعية خطة وطنية تنفذ بالشراكة بين الأطراف ذات العلاقة.

وأشار إلى ضرورة إلى أن تشمل الحملة العناصر الثلاثة المسببة لوقوع الحادث، الإنسان من خلال توعيته منذ مراحل الطفولة، والمركبة بتأكيد أهمية الصيانة الدورية لها، والطريق وذلك من خلال حملة شعبية ضاغطة لتغيير وتعديل الطرق التي تحتاج لاصلاح وتأهيل.
وأكد ضرورة أن تشمل الحملة تشجيع المواطن الملتزم والذي لا تسجل عليه مخالفات مرورية لعدد سنوات معينة وذلك بأن تقوم شركة التأمين  باعفائه من رسوم التأمين لمدة سنة كاملة على سبيل المثال،  منوها كذلك إلى ضرورة تجريم الحوادث المرورية القاتلة في حالة السواقة المتهورة او تحت تأثير المواد المخدره ما يعزز ثقافة قوية ضد هذه الحوادث المميتة. 
ولفت إلى أهمية اطلاق حملة توعية وطنية طويلة الأمد تشارك فيها جميع الأطراف ذات العلاقة، منها شركات التأمين ووزارة النقل والمواصلات والمجلس الأعلى للمرور وكافة الجهات الأخرى لخلق ثقافة تأمينية ومرورية سليمة منها كيفية الحد من حوادث السير.

سؤال يطفو على السطح

الحديث عن وجود حوادث سير يكون السبب فيها حالة الطريق،  يدفع إلى الواجهة سؤالا مفاده" هل يحق لشركات التأمين أن ترفع دعاوى قضائية بحق الجهات المسؤولة عن تردي حالة الطريق وتحميلها عبء التعويض؟".
يقول جرادات"الجميع يجب أن يعرف وليس فقط شركات التأمين أنه في حال اصطدام مركبة في حاوية بجانب الطريق فإن المسؤولية تقع على البلدية وليس على السائق أو شركة التأمين، واي جهة تضع جسما غريبا في الطريق ويتسبب في حادث فإنها تتحمل مسؤولية وقوع الحادث  ايا كانت هذه الجهة". ويضيف" في الكويت رفعت شركة تأمين دعوى على الحكومة لأن حادثا تسبب في وفاة كويتي اصطدمت مركبته بإشارة لم تفتح عند الاصطدام بها حيث تبين وجود خلل في التصميم ما أدى إلى أن الشركة ربحت القضية ودفعت الحكومة تعويضا بمئات الملايين من الدولارات". 

ويقول جرادات "الطرق في فلسطين حاليا محتلة سواء من قبل البلديات او الأهالي وشركات الإنشاءات التي تضع معداتها داخل الطرق"، مؤكدا ان المجلس الأعلى  للمرور يصب جهوده في الفترة الحالية لتحرير الطرق".
ونوه الريماوي إلى أنه لم يسبق لاي شركة تأمين أن رفعت دعوى ضد اي جهة رسمية أو غير رسمية تكون مسؤولة عن رداءة طريق تسبب في وقوع حادث سير وذلك بهدف تحميلها قيمة التعويضات.