حقوق المشغل/المنشأة على موظفيه: بين ثقافة لا تدعم قيم المهنية وأحكام قانونية ذات قصور / بقلم المحامي صهيب الشريف

image-1
تاريخ النشر: 2022-02-06


(يرد المشغل هنا بهذه المقال كرديف عن صاحب العمل أو الإدارة وفق قانون العمل الفلسطيني. وترد المنشأة كمرادفة للشركة أو المصنع أو المؤسسة التعليمية أو الجمعية غير الحكومية وفق قانون العمل الفلسطيني. ويرد الموظف كرديف للعامل من ذات القانون)

ثمة ما يشير إلى وجود لُبس كبير لدى الأطراف ذوي العلاقة بالعمل (العامل/ وزارة العمل/ القضاء/ النقابات العمالية) في فهم قانون العمل ومصلحة الجهة التي يحميها القانون في السياق الفلسطيني؛ وهو ما أثر بشكل أو بآخر بالنظر للقانون على أنه شُرّع ليحمي مصالح وحقوق العمال، ولعل مرد ذلك يعود إلى المزايا التي خص بها المشرع العمال من جهة، مثل إعفاءهم من رسوم دعاوى المطالبة بحقوقهم العمالية، بالإضافة إلى وجود عرف سائد لدى القضاء يشجع نظر الدعاوى العمالية على وجه السرعة. ومن جهة ثانية، ربط هذا الفهم مع الأهمية الاجتماعية والاقتصادية لقانون العمل؛ والتي أثرت بشكل أو بآخر على المشرع وذوي العلاقة ليتولد بالنتيجة شعورٍ بضرورة حماية العمال خوفاً من استغلالهم من قبل صاحب العمل. (لعل ذلك يعود ذلك إلى النظرة إلى صاحب العمل بأنه الطرف الأقوى كما كان السيد/ الإقطاعي في مرحلة تاريخية سابقة).

الحقيقة أن قانون العمل قد شُرّع بالأصل لإقامة توازن بين مصالح المشغل وبين مصالح الموظف، وبالنتيجة؛ يتوجب تفسير أحكامه انطلاقًا من هذا التوازن. وذلك على عكس عقد التوظيف واللوائح الداخلية، والتي يجب أن تفسر لمصلحة الموظف، إذ أن المشغّل هو من أعدّها؛ وبالتالي هو الأولى بتحمل تبعات أي شك أو غموض أو قصور المعنى.

عند الحديث عن الاتفاق الذي يحكم العلاقة بين المشغل والموظف، نجد أن مؤداه بشكل عام يتمثل في التزام الموظف بإنجاز عمل معين لمصلحة المشغل، مع قبوله بحق المشغل في الإدارة والإشراف والتوجيه، مقابل أجر (راتب) وتوابعه يحصل عليه الموظف من المشغل مع حقوق أخرى، وأبرزها، الإجازات على اختلاف أنواعها، ومكافأة نهاية الخدمة.

بالاطلاع على قانون العمل الفلسطيني، نجد أن القانون قد نص بشكل واضح على حقوق الموظف، بخلاف حقوق المشغل/المنشأة، والتي اكتفى المشرع باستعمال عبارة عامة " فضفاضة" وغير

احترافية؛ لا تعدو أكثر من كلمات تمت صياغتها بطريقة ركيكة تدل على قصور المشرع في فهم الحاجة لخلق توازن بين الطرفين يمنح كل طرف حقه ويحميه.

وفي هذا السياق، فقد نصت المادة (33) من قانون العمل النافذ على: "يلتزم العامل بتأدية عمله بإخلاص وأمانة وبالمحافظة على أسرار العمل وأدواته..."، وكان الأصل أن يستخدم المُشرع عبارة: (يلتزم العامل بتأدية عمله باحتراف ومهنية وأمانة، وأن يكون مخلصًا للمنشأة ومحافظًا على أسرارها وأدوات المنشأة ومواردها).

وباستقراء نص المادة أعلاه والاطلاع على قانون العمل؛ يمكننا فهم حقوق المشغل/المنشأة من جانبين، أولهما: واجب الموظف بالقيام بفعل معين (فعل ايجابي)، وثانيهما: واجب الموظف بالامتناع عن القيام بأفعال معينة ( فعل سلبي).

الواجب الأول: تأدية العمل بإخلاص وأمانة. (تتمثل محددات هذا الوجب ب: أداء العمل، الالتزام بالأمانة، الإخلاص).

أولاً: آداء العمل؛ وهو التزام بأن يقوم الموظف بنفسه بإنجاز عمله ومهامه المتفق عليها أو التي حددها مسماه الوظيفي/ الوصف الوظيفي، باحترافية ومهنية ووفقًا لتعليمات وتوجيهات المشغل.

ثانياً: الالتزام بالأمانة؛ وهو التزام على الموظف بأن يقوم بتنفيذ أعمال المشغل وفق مبدأ حسن النية، والذي يفرض عليه أن يعيّ أنه مؤتمن على الالتزام والحرص على العمل "الفعليّ" خلال ساعات الدوام وإنجاز العمل المنوط به بكفاءة، بمعنى، أن يكون معياره الحرص على آداء واجباته بذات الحرص على حقوقه.

ثالثاً: الإخلاص للمنشأة؛ ومقتضى ذلك أن يصدر الموظف قراراته اليومية في العمل بما يحقق ويخدم مصلحة المنشأة الفضلى، وأن يصب قوله وفعله أثناء دوامه في مصلحة المنشأة بالدرجة الأولى. وأن يهتم لموارد المنشأة كما لو أنها موارده. وأن يسعى لتحقيق أهداف المنشأة كما لو أنه جزء أصيل منها. وأن يبلغ الجهات المسؤولة عن أي تقصير أو إهمال متعمد يضر بالمنشأة. أن يتخذ القرار اللازم والمناسب عندما يتوجب عليه ذلك، ولا يتهرب من مسؤولياته، وأن يبادر في إيجاد الحلول والأفكار الخلاقة ما أمكنه ذلك، وأن يكون حريصاً على سمعة المنشأة كما هو حريص على سمعته، ويعبر عن كل ذلك أيضاً بولاء واضح للمنشأة.

رابعاً: إعلام المشغل بالمعلومات الضرورية؛ يجب على الموظف أن يقدم للمشغل البيانات الصحيحة المتعلقة بمحل إقامته وحالته الصحية ومؤهلاته وكافة البيانات الأخرى التي يجب

إدراجها في ملفه الخاص طبقاً للأنظمة المعمول بها، وأن يخطره في المواعيد المحددة بكل ما يطرأ من تغيير على أي من تلك البيانات. وأن يلتزم أيضًا باتباع الإجراءات المقررة في حالة الغياب عن العمل، كذ لك إخطار المشغل خلال المدة المحددة في القانون في حال قرر أو عقد النية على ترك الوظيفة.

الواجب الثاني: الامتناع عن القيام بأعمال وأفعال معينة.

أولاً: الامتناع عن القيام بمخالفة اللائحة الداخلية للمنشأة والتعليمات الإدارية الصادرة عن المشغل؛ على الموظف التقيد بتطبيق شروط اللائحة الداخلية للمنشأة التي تعتبر جزءاً متمماً لعقد التوظيف المبرم بين المشغل والموظف.

ثانياً: عدم المنافسة غير المشروعة مع المشغل/المنشأة؛ يمنع على الموظف استغلال وظيفته وصلاحياته لتحقيق أي منفعة ذاتية أو ربح شخصي، أو قبول أي عمولة بمناسبة قيامه بواجبات وظيفته، هذا ويتوجب عليه أن يمتنع عن العمل لدى أي منشأة منافسة خلال فترة عمله في المنشأة حتى وإن كان ذلك خارج أوقات دوامه الرسمي.

ثالثاً: الالتزام بالمحافظة على أسرار المنشأة؛ يلتزم الموظف بالمحافظة على سرية المعلومات التي يطلع عليها بموجب عمله في المنشأة والتي ليس بمقدور الغير الوصول إليها. وتشمل الأسرار المعلومات المهنية المتعلقة بعمل المنشأة التي من شأن إفشائها الإضرار بمصلحة المنشأة وأي معلومات تمس بقدرة المنشأة على المنافسة أو زعزعة الثقة فيها، هذا ويجب على الموظف أيضًا أن يحفظ الأسرار الفنية والصناعية التي أنتجها بنفسه خلال وقت عمله في المنشأة.

رابعاً: الالتزام بعدم الإضرار بالمشغل/المنشأة ؛ يلتزم الموظف بعدم القيام بأي أمور قد تضر بالمنشأة مثل إهماله بالقيام بواجباته وتفويت أرباح كانت من الممكن أن تتأتى للمشغل/المنشأة لو قام بعمله بشكل صحيح، أو من خلال عدم المحافظة على موارد المشغل/المنشأة أو عدم التعاون مع فريق العاملين بالمنشأة.

هذا ويجب على الموظف الالتزام بمبدأ عدم الإضرار بالمشغل/المنشأة بما يشمل حالات النزاع التي قد تنشأ بينه وبين المشغل، فمثلاً في حال قرر الموظفون الإضراب عن العمل فإنه يتوجب عليهم توجيه تنبيه كتابي للشركة قبل أسبوعين من الإجراء، وذلك لمنح المشغل فرصة لإنهاء النزاع أو التعامل معه بطريقة تضمن أقل الخسائر للمنشأة.

في الختام، أرى أن قانون العمل شُرِّع لتنظيم علاقة عادلة بين الموظف والمشغل، بما يضمن لكل طرف حقه، وليس من المعقول ولا من الحكمة مطالبة الموظف بالالتزام بواجباته المذكورة أعلاه ما لم يلتزم المشغل بكامل حقوق موظفيه وفق أحكام القانون.