الحالات التي تستوجب تعويض صاحب العمل / بقلم

image-1
تاريخ النشر: 2022-09-21


الاقتصادي - المحاميان صهيب الشريف وبتول مليطات

تبرز أهمية قانون العمل من غاياته وأهدافه الرامية إلى تنظيم العلاقة التي تحكم شريحتين كبيرتين، هما شريحة العمال/الموظفين، وأصحاب العمل/الشركات/المؤسسات؛ ولا شك أن أي مشرّع، يعرف أن تقدم المجتمعات مرهون عادة بممأسسة علاقة واضحة وعادلة بين شرائحه المختلفة.

يمكن للمتتبع لعلاقات العمل في فلسطين، القول بأن ثمة افتراض – وله معززاته – أن فلسفة المشرع بتنظيم قانون العمل الفلسطيني اتجهت إلى إيلاء مصلحة العامل رعاية وميزة بشكل أكبر، مقارنة بصاحب العمل؛ باعتباره - وفق اعتقادنا - الطرف الأضعف في العلاقه التعاقدية.

وبالرغم من ذلك، فقد راعى القانون حالات قيام العامل بالانتقاص/التعدي على حقوق صاحب العمل. إذ تضمن قانون العمل الفلسطيني رقم (7) لسنة 2000 الحالات التي تعد من قبيل التجاوزات/المخالفات التي وإن قام بها العامل يجوز لصاحب العمل إنهاء عقده على إثرها، ودون التقيد بإرسال إشعار يفيد بالإنهاء، ومع احتفاط صاحب العمل بحقه في مطالبة العامل بالتعويض عما لحقه من أضرار جراء ارتكاب العامل لهذه التجاوزات/المخالفات.

يمكن لنا في هذا المقال التطرق إلى هذه الحالات، والتي نصت عليها المادة (40) من ذات القانون، وهي:

الحالة الأولى: انتحال العامل شخصية غير شخصيته، أو تقديمه شهادات أو وثائق مزورة.

لم يشترط المشرع ثبوت التزوير أو الانتحال بحكم قضائي، إذ اعتبر مجرد القيام بفعل الانتحال أو تقديم الوثائق سبباً كافياً لإنهاء عقد العمل دون إشعار، لمساس هذه الأفعال بالثقة الواجب توافرها ما بين العامل وصاحب العمل.

الحالة الثانية: ارتكاب العامل خطأ نتيجة إهمال مؤكد نشأت عنه خسارة جسيمة لصاحب العمل.

يشترط لإنهاء العقد استناداً لهذه الحالة، واستحقاق صاحب العمل لطلب التعويض، أن يكون العامل قد ارتكب خطأ من شأنه أن يرتب خسارة جسيمة على صاحب العمل، أما إن كانت الخسارة المترتبة بسيطة أو لم ينشئ عن الخطأ المرتكب أي ضرر، فلا يستطيع صاحب العمل إنهاء العقد دون إشعار.

الحالة الثالثة: عدم وفاء العامل بالالتزامات المترتبة عليه بموجب عقد العمل.

لم ينص القانون صراحة على مثال بخصوص إمكانية التعويض عن عدم وفاء العامل بالتزماته كسبب للتعويض، لكن الحالة المتصورة بالنسبة لنا هي إنهاء العامل لعقد العمل محدد المدة بإرادته المنفردة، والذي إن لم يلتزم العامل بالعمل طوال المدة المتفق عليها وفق العقد وترك العمل دون مسوغ قانوني. فإنه يجوز لصاحب العمل مطالبته بالتعويض عن الضرر الذي لحق به نتيجة لعدم التزامه بالعمل للمدة المتفق عليها.

الحالة الرابعة: إفشاء العامل للأسرار الخاصة بالعمل، التي من شأنها أن تسبب الضرر الجسيم.

ويشترط لإنهاء العقد في هذه الحالة أن تكون الأسرار التي قام العامل بإفشائها ذات خطورة، ومن شأنها أن تؤدي إلى ضرر جسيم، أما إن كانت الأسرار بسيطة وليس من شأنها التسبب بخسارة جسيمة، فلا يجوز لصاحب العمل إنهاء العقد دون إشعار.

 تجدر الإشارة إلى أن المعيار أعلاه ليس واضحاً، ويُترك للقاضي صلاحية تحديد نطاق إفشاء الأسرار الخاصة بالعمل الموجبة للتعويض؛ خصوصاً في حالة انتشار تلك الأسرار من خارج المنشأة، والتي برأيي ممكن أن يكون تأكيدها من قبل العامل إفشاءً للأسرار رغم أنها لم تعد من الأسرار.

تأسسياً على الحالات الواردة أعلاه، يثور تساؤل حول الطبيعة القانونية للمسؤولية التي تقوم على العامل في حال قيامه بإحدى الحالات السابقة.

يُشار بداية أن الحالات السابقة تنطبق على كل من العقود محددة المدة وغير المحددة المدة، حتى وإن لم ينص العقد المبرم ما بين العامل وصاحب العمل على التزام العامل بذلك. ومن المهم الإشارة إلى أن المسؤولية العقدية لا توفر غطاء لحماية صاحب العمل، في حال كان التجاوز حاصل من قبل العامل بعد انتهاء الرابطة التعاقدية ما بينه وبين صاحب العمل، كما وقد تطال الغير في حال كان التجاوز متعلق مثلاً بإفشاء الأسرار، وكانت قد وصلت إليه مثلاً عن طريق العامل أو بمشاركته، مما يستوجب البحث في طبيعة التزام العامل وفقاً لقواعد المسؤولية التقصيرية، لانقضاء عقد العمل ما بين العامل وصاحب العمل.

باستقراء نصوص قانون العمل الفلسطيني، نجد أن المشرع قد حصر الحالات التي يترتب على إتيانها إحداث أضرار بحق صاحب العمل، وأغفل حالات أخرى من شأن القيام بها إلحاق ضرر يمكن تصنيفه بالجسيم بحق صاحب العمل، كالتزام العامل بعدم المنافسة، إذ لم ينص المشرع الفلسطيني في قانون العمل بوضوح على الالتزام بعدم المنافسة، على عكس القانون الإماراتي، الذي  نص بشكل صريح على التزام العامل بعدم المنافسة، إذ نص على: "يجوز لصاحب العمل إدخال شرط عدم المنافسة في عقود العمل، وعليه يمكن لصاحب العمل أن يشترط على الموظف في عقد العمل، ألا يقوم بعد انتهاء العقد بمنافسته أو الاشتراك في أي مشروع منافس له في نفس القطاع، على أن يكون الشرط محدداً من حيث الزمان والمكان ونوع العمل وبالقدر الضروري لحماية مصالح العمل المشروعة، لا يجب أن تزيد مدة المنافسة عن سنتين من تاريخ انتهاء العقد."

كما اعتبر القانون الإماراتي حالة إنهاء العامل للعقد بصورة منفردة بشكل يؤدي إلى خسارة صاحب العمل، من الحالات التي تستوجب تعويض الأخير عما لحقه من خسارة. وقد نصت على ذلك المادة (116) من قانون تنظيم علاقات العمل "إذا فسخ العقد من جهة العامل لغير الأسباب المنصوص عليها في المادة (121) كان العامل ملتزماً بتعويض صاحب العمل، عما يكون قد لحقه من خسارة نتيجة فسخ العقد. وذلك كله ما لم يوجد نص في العقد يقضي بغير ذلك". وهو ما أيدته محكمة نقض أبو ظبي، في الطعن المقدم لها الذي يحمل الرقم (151) لسنة 2013 س7 ق.1  

في ذات السياق، اتجه القضاء الأردني إلى اعتبار مسألة تفويت الفرصة والكسب غير المشروع بما يترتب عليها من ضرر على صاحب العمل من الحالات التي تستدعي مطالبة صاحب العمل للعامل بالتعويض عما لحقه من خسارة وضرر.

في الختام، نستطيع الاستنتاج أن ثمة قصور في أحكام ونصوص قانون العمل الفلسطيني، التي تجعل كل من يطالعها غير قادر على الجزم بشكل جليّ بالمصلحة التي تحميها، وإن إغفال المشرع عن شرط المنافسة يرتب ضررا على صاحب العمل بالقدر الذي يرتبه على العامل، حينما لا يكون الشرط منظماً بشكل واضح.