رحلة البحث عن الكنز الأبيض… موسم الفقع ينشط جبال فلسطين
10:34 صباحاً 08 كانون الثاني 2026

رحلة البحث عن الكنز الأبيض… موسم الفقع ينشط جبال فلسطين

الاقتصادي- مع بداية شهر كانون الأول، تنشط الحركة في جبال فلسطين، إذ يتجه المواطنون يوميا بحثا عن الفقع "الفطر البري"، فالعثور عليه أشبه بلحظة نادرة، مكافأة لمن صبر وانتظر، قطعة صغيرة تخرج من باطن التراب، لكنها تحمل فرحة كبيرة، وتمنح الباحث شعورا لا يختلف كثيرا عن شعور من عثر على كنز مخفي منذ زمن.

وجاء هذا الموسم استثنائيا بكل المقاييس، إذ أنه من أكثر المواسم وفرة بالفقع خلال السنوات الأخيرة، فقد امتلأت منصات التواصل الاجتماعي بعشرات الصور ومقاطع الفيديو التي توثّق العثور على كميات كبيرة من الفقع في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، ولم تقتصر الوفرة على متعة الاكتشاف فقط، بل تحول بالنسبة لعشرات الشبان إلى مصدر رزق مؤقت.

يقول الشاب وهبي سطوف من بلدة بيت ريما شمال غرب رام الله، الذي يخرج يوميا إلى الجبال بحثا عن الفقع، إن البحث عن الفقع تحول إلى ما يشبه رحلة تنقيب عن كنز مدفون، فالعثور عليه ليس مضمونا، ويتطلب صبرا طويلا وخبرة، لذلك، فإن كل ما يعثر عليه من الفقع ويستخرج من باطن الأرض يقابل بفرحة خاصة.

ويضيف، أنه يقضي ساعات طويلة في الجبال، إذ أن الفقع ينمو غالبا تحت أشجار البلوط والصنوبر، حيث تتوفر الظروف الطبيعية المناسبة لنموه من رطوبة التربة ونوعها، إذ يركز الباحثون حول هذه الأشجار تحديدا، مستدلين بخبرتهم المتراكمة وعلامات خفيفة على سطح الأرض تكشف وجود الفقع المدفون على عمق بسيط.

القيمة الاقتصادية للفقع

لا يقتصر موضوع الفقع في فلسطين على كونه نشاطا تراثيا فقط، بل ينتقل إلى الجانب الاقتصادي أيضا، إذ يُعد من المنتجات ذات القيمة العالية في الأسواق، فالكيلوغرام من الفقع قد يصل في بعض الأحيان إلى 25 شيكل، نظرا لندرته ومحدودية الموسم.

ويقول الشاب محمد حجاج (39 عاما)، الذي يعمل مراسلا في إحدى الوزارات ويتقاضى راتبا متواضعا رغم إعالته لأسرة مكوّنة من أربع بنات، إن موسم البحث عن الفقع يشكّل بالنسبة له فرصة حقيقية لتحسين وضعه المعيشي.

ويوضح، أن خروجه إلى الجبال خلال هذا الموسم لا يرتبط فقط بحب الطبيعة، بل بمحاولة سد فجوة الدخل وتوفير احتياجات أسرته، معتبرا أن ما يجنيه من بيع الفقع، ولو كان مؤقتا وموسميا، يخفف من الأعباء الاقتصادية المتراكمة.

أما الشاب محمد منصور من قرية دير استيا شمال غرب سلفيت، كشف عن نجاحه في العثور خلال أسبوعين على نحو طن ونصف من الفقع في الجبال المحيطة بقريته. وأشار إلى أنه باع الكيلو الواحد بأسعار متفاوتة، بداية الموسم بـ30 شيكل، ثم بـ25 شيكل، ومؤخراً بـ15 شيكل، مؤكداً أن بيع المحصول تم داخل البلدة وخارجها.

وأضاف منصور، أن البحث عن الفقع في المنطقة يرافقه مخاطر كبيرة، خصوصاً أن الكثير من الأماكن التي ينمو فيها الفقع تقع قرب المستوطنات.

ومن جهة أخرى، يشير بعض الباحثين عن الفقع إلى مخاطر طبيعية أخرى، مثل الخنازير البرية التي تختبئ عادة بين أشجار البلوط، والتي قد تظهر فجأة وتهاجم الباحثين، وهذا ما أكده الشاب هاشم الحاج من بلدة بيت ريما، الذي تعرض لهجوم من خنازير أثناء بحثه عن الفقع قبل سنوات، ما أدى إلى إصابته بكسور حادة، مؤكداً أن النشاط رغم قيمته الاقتصادية والتراثية، إلا أنه يحتاج إلى خبرة وحذر شديدين.

ويبقى البحث عن الفقع في فلسطين نشاطا موسميا يجمع بين المتعة والتحدي والقيمة الغذائية والاقتصادية، ويعكس جزءا أصيلا من ثقافة وموروث الفلسطينيين مع الأرض، والذي يحمل بين نكهاته عبق التاريخ وثراء الطبيعة.

 

 

Loading...