
الاقتصادي- رغم سنوات الدراسة والتدريب العملي، يجد عشرات الخريجين الجدد في تخصص الأشعة أنفسهم أمام سوق عمل شبه مغلق، حيث تتجاوز أعداد المتقدمين للوظيفة الواحدة مئات الخريجين، مقابل فرصة واحدة فقط. واقعٌ يعكس أزمة بطالة متفاقمة في القطاع الصحي بالضفة الغربية، لا تقتصر على الأشعة فحسب، بل تمتد إلى الطب العام والتمريض أيضا.
يقول علي محاسنة (24 عاما) من مدينة طوباس، أحد خريجي تخصص الأشعة من جامعة النجاح الوطنية، في تجربته مع البحث عن العمل: نتقدم للمستشفيات، لكن من بين 200 إلى 300 خريج أشعة قد يتم اختيار شخص واحد فقط. في بعض الامتحانات يتقدم نحو 400 شخص، ينجح منهم 200، ثم تتم تصفيتهم للمقابلات حسب أعلى العلامات، وفي النهاية يتم تعيين عدد محدود جدًا”.
ويشير في حديثه لـ"الاقتصادي" إلى أن تخصص الأشعة يُدرّس في عدة جامعات محلية، منها النجاح، والجامعة العربية الأمريكية، وجامعة القدس، ما يضاعف أعداد الخريجين سنويا مقابل محدودية فرص التوظيف، مضيفا أن البطالة لا تقتصر على هذا التخصص فقط، بل تشمل كذلك الطب العام والتمريض، في ظل ركود التوظيف وضعف قدرة المؤسسات الصحية على استيعاب الخريجين الجدد.
الرهان على البديل
ورغم صعوبة الواقع، لم يخف محاسنة تقبله للأمر، إذ كان يتوقع منذ سنوات الدراسة احتمالية عدم الحصول على وظيفة فور التخرج.
ويقول: "كنت أفكر أنني مثل أي خريج في أي دولة سأجد وظيفة بعد التخرج، لكنني في الوقت نفسه كنت أعمل وأوفر جزءا من دخلي تحسبا لأي طارئ".
قبل الجامعة وأثناء الدراسة، عمل محاسنة في عدة وظائف، من بينها العمل في المزارع وورشات البناء، ثم افتتح لاحقا مشروعا خاصا عبارة عن محل لبيع مواد البناء في مدينة طوباس، وهو مشروع مملوك له بشكل كامل.
ويضيف: "كنت أحسب حساب أنني قد لا أجد وظيفة، لذلك ادخرت جزءا من دخلي كل سنة، واليوم المشروع الخاص يعوضني عن الوظيفة، وإذا تطور بشكل جيد قد يكون أفضل من العمل الوظيفي".
المشروع الخاص… خيار اضطراري أم فرصة؟
ويؤمن محاسنة بأن المشاريع الخاصة قد تكون خيارا واقعيا للشباب في ظل انسداد سوق العمل، رغم صعوبة البدايات.
ويشير إلى أن البداية في المشروع الخاص صعبة، لكن مع الصبر والتطوير تتحسن الأمور، موجها النصيحة للطلبة ألا يركنوا فقط إلى انتظار الوظيفة، بل يبحثوا عن بدائل أو مشاريع خاصة.
ويضيف أن امتلاك بديل مهني أو اقتصادي أصبح ضرورة في ظل ارتفاع معدلات البطالة، خاصة في المحافظات التي تعاني من ضعف الاستثمارات وفرص التشغيل.
بطالة شبابية متصاعدة
وتعكس قصة محاسنة صورة أوسع لأزمة البطالة في الضفة الغربية، حيث يواجه آلاف الخريجين سنويا تحديات حقيقية في الالتحاق بسوق العمل، رغم تأهيلهم الأكاديمي والتدريب العملي الذي يمتد لأربع سنوات أو أكثر.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى المبادرات الفردية والمشاريع الصغيرة أحد أهم المخارج المؤقتة للشباب، لكنها لا تُغني عن الحاجة إلى حلول اقتصادية شاملة تعيد التوازن لسوق العمل وتمنح الخريجين أملا حقيقيا بالمستقبل.
وتُظهر بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن عدد العاطلين عن العمل في الضفة الغربية قفز إلى نحو 313 ألف شخص في عام 2024، مقارنة بحوالي 183 ألفا فقط في 2023، وارتفع معدل البطالة في الضفة من 18% إلى 31% خلال عام واحد، متأثرا بإغلاق سوق العمل الإسرائيلي وتشديد القيود بعد الحرب على غزة.
وتتضح الصورة أكثر حين ننظر إلى بطالة الخريجين، ففي الربع الرابع من عام 2024 بلغ معدل البطالة بين الشباب الخريجين (19–29 سنة) من حملة الدبلوم المتوسط فأعلى في الضفة الغربية حوالي 36.1%، مع ارتفاع النسبة بين الشابات إلى 44.4%.
المعادلة اليوم باتت واضحة: الجامعيون هم الأكثر عرضة للبطالة، بينما المهن الحرفية تعاني من نقص شديد في الكفاءات. وإذا لم يُعطَ التعليم المهني والتقني مكانته كخيار أول، لا مجرد "خطة بديلة"، فستبقى المنازل تنتظر "المواسرجي"، والسيارات راكدة في الكراج، والخريجون يعلقون شهاداتهم على الجدران، في انتظار دورهم الطويل ضمن قائمة لا تنتهي.